السبت، 29 مايو 2010

'http://www.tagged.com/profile.html?uid=5404867892&clickA', elkooly's blog message on Netlog

'http://www.tagged.com/profile.html?uid=5404867892&clickA', elkooly's blog message on Netlog

نفاد المصاحف الإلكترونية في مكتبات هولندا وثلاث�

نفاد المصاحف الإلكترونية في مكتبات هولندا وثلاث�

ألمانيا : ارتفاع عدد المسلمين الجُدُد بنسبة ثلاث�

ألمانيا : ارتفاع عدد المسلمين الجُدُد بنسبة ثلاث�

3600 شخص يعتنقون الإسلام سنويا في فرنسا - عربي

3600 شخص يعتنقون الإسلام سنويا في فرنسا - عربي

نصارى يدخلون في دين الله أفواجاً .. في الجزائر - عربي

نصارى يدخلون في دين الله أفواجاً .. في الجزائر - عربي

الفاتيكان: عدد المسلمين تجاوز الكاثوليك لأول مرة

الفاتيكان: عدد المسلمين تجاوز الكاثوليك لأول مرة

الخميس، 27 مايو 2010

http://www.alrahma.tv/Default.aspx

http://www.alrahma.tv/Default.aspx

قناة الرحمة

تصغير الدردشةدردشة في صفحة منفصلة(6) دردشةالدردشة
قوائم الأصدقاء
الخيارات



00


محمد ابو سحلى0محمد ابو سحلى

3:06amمحمد غير متَّصل.
0095%الترجمةالترجمةAfrikaansBahasa IndonesiaBahasa MelayuCatalàČeštinaCymraegDanskDeutschEnglish (UK)English (US)English (Upside Down)EspañolEspañol (España)FilipinoFrançais (Canada)Français (France)한국어HrvatskiItalianoLietuviųMagyarNederlands日本語Norsk (bokmål)PolskiPortuguês (Brasil)Português (Portugal)RomânăРусскийSlovenčinaSlovenščinaSuomiSvenskaภาษาไทยTiếng ViệtTürkçe中文(简体)中文(台灣)中文(香港)ΕλληνικάБългарскиСрпскиעבריתالعربيةहिन्दीবাংলাਪੰਜਾਬੀதமிழ்తెలుగుമലയാളംAzərbaycan diliBosanskiEestiEnglish (Pirate)EsperantoEuskaraFøroysktGaeilgeGalegoÍslenskaKiswahiliKurdîLatviešuLeet Speaklingua latinaNorsk (nynorsk)ShqipქართულიБеларускаяМакедонскиУкраїнськаՀայերենفارسیپښتوनेपालीAvañe'ẽAymar aruBasa JawaCherokeeDavvisámegiellaEspañol (Chile)Español (Colombia)Español (México)Español (Venezuela)tlhIngan-HolLimburgsMalagasy fitenyMaltiNederlands (België)O'zbekQhichwaRumantschSoomaaligaSuomi (koe)TatarçaisiXhosaisiZuluМонголтоҷикӣҚазақшаייִדישاردوܐܪܡܝܐमराठीसंस्कृतम्ગુજરાતીಕನ್ನಡភាសាខ្មែរ
ترجمة ما تحته خطإضغط على زر الفأرة الأيسر لتصفح الفيس بوك، وزر الفأرة الأيمن للترجمة.
إيقاف ترجمة ما تحته خطتشغيل تبليغ ما تحته خطشاهد المزيد من العبارات من هذه الصفحةالذهاب للتصويت على الترجماتتطبيق الترجمة14ابحث عن أصدقائكطلبات الصداقة

‎ЁЙКЁЅДЯ ЁПЅДП‎
13‏ صديق مشترك

صدق المشاعر
59‏ صديق مشترك

‎Ivan Hyip‎

‎Moslem On Way‎
20‏ صديق مشترك

‎Ahadith Nabawiya‎
19‏ صديق مشترك
مشاهدة كل طلبات الصداقة
22‏ طلبات0إرسال رسالة جديدةالرسائل
Islam Guide For All World
True Islam - Message For Those Who Hate Islam http://www.facebook.com/video/video.php?v=109681845742548
35 minutes agoIslam Guide For All World
I am Support Al Rahma TV أنا سادعم قناة الرحمة http://www.facebook.com/group.php?gid=108509360881&ref=ts#!/event.php?eid=129...
منذ حوالي ساعةراديو نجومنا - ngomna radio
يا جماعة الراديو حيبدء ناو للمشاركة و الطلبات اكتب على وول الجروب http://www.facebook.com/group.php?gid=...
2 hours agoتحذير لكل البنات..طول ما صورك على الفيس بوك حياتك ومستقبلك وسمعتك في خطر
تذكير****بارك الله فيكم تذكير **** بارك الله فيكم اذكركم ونفسي بقراءة سورة الكهف اللهم يتقبل منا...
2 hours agoممكن تشاركنى حلمى فى إحياء أمة
انضم وادعو كل أصحابك http://www.facebook.com/group.php?gid=117118901647946&ref=mf
منذ 4‏ ساعاتمشاهدة كل الرسائل
8067‏ غير مقروءة7الإشعارات
وافق ‎Adrianna Mendez‎ على طلب الصداقة. الأربعاء
‎Ghadi Noui‎ commented on ‎Adri Nunez‎'s ألبوم صور. الأربعاء
علّقت ‎Syeda Zakkiyahh‎ على صورة لك‏. يوم الأحد
وافق بلادنا عهد بالتحرير‏ على طلب الصداقة. السبت الماضي
علّقت ‎Halima Kosar‎ على صورة لك‏. السبت الماضي
علّق ‎Aliyu Ibrahim‎ على صورة لك‏. الجمعة الماضية
علّق ‎дмiг saleem‎ على صورة لك‏. الجمعة الماضية
علّقت ‎Saba Javed‎ على صورة لك‏. الجمعة الماضية
مشاهدة كل الإشعارات
بحثالحسابElkooly Redaتعديل الأصدقاءإدارة صفحاتكإعدادات الحسابإعدادات الخصوصيةإعدادات التطبيق مركز المساعدةخروجالصفحة الشخصيةالصفحة الرئيسية
I am Support Al Rahma TV أنا سادعم قناة الرحمة
النوع: اجتماعات - لقاء إعلامي
وقت البدء: 22 مايو، 2010‏، الساعة 09:00 مساءً‏
وقت الانتهاء: 23 سبتمبر، 2010‏، الساعة 12:00 صباحاً‏
المكان: ‎Every Corner in the world‎

الوصف‎" All those who want to close Al Rahma TV channel are just so week to face reality of Islam growing bigger every second and Muslims increase greatly everyday esp in the foreign countries. They are very sure that Islam will prevail in few steps, may be months or years or decades but it'll certainly prevail and control soon.
Also, how can you ask to close a channel just because it tells true history??? everyday Muslims die and killed everywhere and no one says that against Islam and against prevailing violence to do so or to publish it to public??? What's the difference here??
Aren't those everyday killed Muslims resemble earlier killed Jewish before Islam or in teir wars with Muslims?? Aren't all these actions in Palestine considered a violence against Islam??
How come super responsible men in power positions allow one part to practice his rights in asking to close or delete whatever bothers them and prevent others to do the same??? Where's justice here??? " (Anne Kornikova)

So I will Support Al Rahma TV
-------------
‎http://alrahma.tv/‎
--------------------

ضيوف أكدوا الحضورفي هذه المناسبة 799‏ ضيف مؤكد‏مشاهدة الكل ‎Fofou Al- Murayr‎‎Yomna Nasr El Din‎ابرار عبد القادر‎Mahmoud Srour‎‎Mona Kmpal‎‎Asmaa Salah El Din‎‎Hasnae Islam‎‎Muhammad AbdAllah‎
الحائطمشاهدة كل الصور|مشاهدة كل مقاطع الفيديو|انظر جميع وصلات ‎MM ‎Muhammad AbdAllah‎‎ ‎I'm supporting‎منذ 23‏ دقيقة · تعليق ·أعجبنيغير معجب · أبلِغ
اكتب تعليقاً...‎MM ‎Abdelrahman Taha‎‎ ‎ok‎ منذ 8‏ ساعات · تعليق ·أعجبنيغير معجب · أبلِغ
اكتب تعليقاً...‎‎Rima Derouich‎‎ اكيد راح نساعدكم أمس في الساعة 12:47 مساءً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · أبلِغ
اكتب تعليقاً...‎MM ‎Hany Nasef‎‎ أنا أدعم قناة الرحمة ان شاء اللهأمس في الساعة 08:03 صباحاً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · أبلِغ
اكتب تعليقاً...‎‎Zahraa Darwish‎‎ أنا أدعم قناة الرحمةالأربعاء، الساعة 11:35 مساءً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · أبلِغ
اكتب تعليقاً...‎‎Alniyah Goling‎‎ ‎oh!!!i dont know!!!‎الأربعاء، الساعة 03:34 مساءً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · أبلِغ
اكتب تعليقاً...‎MM ‎Khalil Belalit‎‎ I am Support Al Rahma TV أنا سادعم قناة الرحمة
الأربعاء، الساعة 12:25 صباحاً‏ · عرض التعليقات (3‏)إخفاء الملاحظات (3‏) · المشاركة2 شخصان‏ معجبون بهذا.
Khalil Belalit ‎allah‎
الأربعاء، الساعة 12:25 صباحاً‏عيون التصميم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته معذرة للتدخل ولكن ترجمة اسم الصفحة بالانجليزية يحتاج للتعديل اما ان يكون i am supporting Al Rahma TV او ان تكتب i support Al Rahma TV او ايضا i am Al Rahma TV supporter وبكده هيبقى المعنى والترجمة ان شاء الله صح واسفة مرة تانية لهذا التدخل وبارك الله فيكم جميعا ووفق القناة ومن يدعمها لفعل مايحب ويرضى آآآمينالثلاثاء، الساعة 04:39 مساءً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · عرض التعليقات (2‏)إخفاء الملاحظات (2‏) · أبلِغFerdaous Nina‏ معجبـ/ـة بهذا.
Hatem Morsy فداك أبى وأمى يا رسول الله..
اللهم أعن اخواننا فى القناه
أمس في الساعة 02:49 مساءً‏
اكتب تعليقاً...‎MM ‎Hussam Ibnouff‎‎ ساحضرالثلاثاء، الساعة 11:57 صباحاً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · عرض التعليقات (2‏)إخفاء الملاحظات (2‏) · أبلِغشخصية مسلم‏ معجبـ/ـة بهذا.
Ismail Ali Haasan وانا معكم ضد الحمله الصهيونيه الصلبيه والازيال العربيه على قناة الرحمه
الثلاثاء، الساعة 06:52 مساءً‏
اكتب تعليقاً...‎MM ‎Sameh Elsayd Mohamed‎‎ حسبنا الله ونعم الوكيل فى اليهود أعداء الاسلام وأى أحد يريد أن يشوه صورة الاسلام وان شاء الله قناة الرحمة باقية
والتردد الجديد هو 10873/27500الثلاثاء، الساعة 05:29 صباحاً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · عرض التعليقات (3‏)إخفاء الملاحظات (3‏) · أبلِغشخصية مسلم‏ معجبـ/ـة بهذا.
شخصية مسلم أنا سادعم قناة الرحمة
الثلاثاء، الساعة 04:35 مساءً‏محمد جابر وانا معكم ياخير امة انزلت فى الارض امة الحبيب المصطفى عليه السلام
الأربعاء، الساعة 09:51 مساءً‏
اكتب تعليقاً...Yousr يسرى I am Support Al Rahma TV أنا سادعم قناة الرحمة
الثلاثاء، الساعة 03:42 صباحاً‏ · عرض التعليقات (2‏)إخفاء الملاحظات (2‏) · المشاركة2 شخصان‏ معجبون بهذا.‎‎Nou ッ ⎝⏠⏝⏠⎠‎‎ السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
أرجو من الأخوة الكرام تعديل اسم الايفنت إلى
I will support
= أنا سادعم قناة الرحمة
أو
...I support =
أنا ادعم قناة الرحمة

و جزاكم الله خيرا

وأسفة على الأزعاج
مشاهدة المزيد
الثلاثاء، الساعة 12:35 صباحاً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · عرض التعليقات (3‏)إخفاء الملاحظات (3‏) · أبلِغ3 أشخاص‏ معجبون بهذا.
اكتب تعليقاً...‎‎WinteЯ Queen‎‎ 10873 عمودي
منظمة
يهودية فرنسية ستوقف يوم الخميس القادم البث الفضائي لقناة الرحمة
الفضائية ... بالله عليكم بالله عليكم بالله عليكم يا
مسلميـــــــــــــــــــــــن سارعوا بنشر التردد الجديد في أسرع وقت ..
...10873 عمودي ... جائتكم فرصة لنصر دينكم حتى عندكم فلا تردوها ...
أمانـــةمشاهدة المزيد
24 مايو، الساعة 11:46 مساءً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · عرض التعليقات (1‏)إخفاء الملاحظات (1‏) · أبلِغشخصية مسلم‏ معجبـ/ـة بهذا.
اكتب تعليقاً...‎MM ‎Fareed Abuissa‎‎ ‎support‎24 مايو، الساعة 10:42 مساءً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · عرض التعليقات (1‏)إخفاء الملاحظات (1‏) · أبلِغشخصية مسلم‏ معجبـ/ـة بهذا.
اكتب تعليقاً...‎‎Menna Adel‎‎ و لا تهنوا و لا تحزنوا و انتم الأعلون ان كنتم مؤمنين24 مايو، الساعة 08:40 مساءً‏ · تعليق ·أعجبنيغير معجب · عرض التعليقات (2‏)إخفاء الملاحظات (2‏) · أبلِغ2 شخصان‏ معجبون بهذا.
اكتب تعليقاً...
المنشورات الأقدم
إزالة من قائمة مناسباتي
المشاركةتصديرالاستجابة لهذه المناسبةما زلت تحتاج للرد على الدعوة.


أنوي الحضور
قد أحضر
لن أحضر

مدعوون آخرونربما يحضرون (248)مشاهدة الكل
مخـــالب الياسمين‎Medo Ahmed Mohmed‎‎Khadija Lahmadi‎
لن يحضروا (618)مشاهدة الكل
‎Myvel Ahmed‎عبد ضعيف‎Sozy Abdallah‎
بانتظار الرد (3.637)مشاهدة الكل
راجي الفردوس الأعلىنور الإيمان غزة
معلومات الحدثهذا حدث عام ، بامكان الجميع مشاهدته ، الحجز و استدعاء آخرين له
المسؤولون‎Islam Guide For All World‎ المنشئ

بلّغ عن المناسبةإنشاء إعلان
تقديم هدية
هدية الـ"‎‎O Tile‎‎‏" متاحة الآن فى متجر الهدايا‎‏.‎
المزيد من الإعلانات
Facebook © 2010العربية
حول فيس بوك لإعلاناتكم المطوّرون المهن الشروط • البحث عن أصدقاءالخصوصيةالهاتف المحمول مركز المساعدة
عبارات أكثر للترجمة مِنْ هذه الصفحةإغلاق الإطار
ملحوظة: ترجمة هذة الجمل ستظهر فقط بعد إعادة تحميل الصفحة.

فيس بوك هو أداة تتيح للأشخاص التواصل مع الأصدقاء وغيرهم من الأشخاص الذين يعملون، ويتعلمون ويعيشون حولهم. يستخدم الناس فيس بوك للبقاء على اتصال بالأصدقاء، ولتحميل عدد لا محدود من الصور، ولنشر روابط ومقاطع فيديو، ومعرفة المزيد عن الأشخاص الذين يتعرفون إليهم.
مايو
مساءً
سبتمبر
صباحاً
اضغط هنا لتسجيل إعجابك بهذه المادة
اكتب تعليقاً...
الأربعاء
اضغط لرؤية الاشخاص المعجبين بهذه المادة
الثلاثاء
طلبات الصداقة
الرسائل
الصور
الأصدقاء
الإشعارات

الأربعاء، 26 مايو 2010

الشيخ الشعراوي ترك الصلاة و الصوم بدون صلاة

السيرة النبوية

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ

السيرة النبوية

جديد الموقع: حلقات جديدة من لمسات بيانية مع الدكتور فاضل صالح السامرائي - حلقات جديدة من الكلمة وأخواتها - برنامج سحر القرآن، من أي زمرة أنت، في رحاب آية، زك صيامك على صفحة برامج رمضانية - حلقات برنامج الرحمن علّم القرآن للدكتور محمد هداية - محاضرات جديدة في صفحة محاضرات - حلقات جديدة من طريق الهداية






































































فتح مكة

كانت بطون خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما كانت بنو بكر بن وائل في عهد قريش، وكان بين هذين الجيشين دماء، فثار بنوبكر على خزاعة، وساعدتهم قريش بالسلاح والأنفس وقاتلوهم، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من خزاعة وأخبروه بنقض قريش للعهد، فلما أحست قريش بما فعلت جاء منهم أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقوى العهد ويزيد في المدة فلم يجبه إلى ذلك، وتأكد المسلمون من نقض قريش للعهد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتجهزوا وكتم عنهم الوجه، فاجتمع لذلك عشرة آلاف من المسلمين من المهاجرين والأنصار وطوائف من العرب، وخرج بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضت من شهر رمضان في السنة الثامنة للهجرة، وساروا حتى نزلوا بمرِّ الظهران بقرب مكة بدون أن تعلم قريش بوجهتهم.

وقد كان العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة بأهله، فقابله عليه الصلاة والسلام في الطريق فأرجعه معه، وبعث بعياله إلى المدينة. وبينما جيش المسلمين بمر الظهران إذ خرج أبو سفيان ومعه آخران يتجسسون الأخبار، لما كانوا يتوقعونه من عدم سكوت المسلمين على نقض العهد، فظفرت بهم جنود المسلمين، وكان أول من لقى أبا سفيان العباس بن عبد المطلب، فأخذه معه حتى وصل به إلى خيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنه وسلمه للعباس. فلما أصبح أسلم وشهد شهادة الحق، فقال العباس: يارسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

ثم أمر العباس أن يقف بأبي سفيان حيث يسير الجيش حتى ينظر إلى المسلمين، فجعلت القبائل تمر عليه كتيبة كتيبة حتى انتهت، وانطلق أبو سفيان إلى مكة مسرعا ونادى بأعلى صوته : يامعشر قريش، لقد جاءكم محمد بما لا قبل لكم به.

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون، وهو جبل بمعلاة مكة، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل مكة بمن معه من كُدَىّ، وهو جبل بأسفل مكة من جهة اليمن، ودخل صلى الله عليه وسلم ومن معه من كداء، وهو جبل بأعلا مكة، ونادى مناديه: من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. واستثنى من ذلك جماعة أهدر دماءهم لشدة ما ألحقوا بالمسلمين من الأذى، منهم عبد الله بن سعد بني أبي سرح وعكرمة بن أبي جهل وكعب بن زهير ووحشى قاتل حمزة وهند بنت عتبة زوج أبي سفيان وهبار بن الأسود والحارث بن هشام، وهؤلاء قد أسلموا.

وقد صادف جيش خالد بن الوليد في دخوله مقاومة من طائشى قريش فقاتلهم وقتل منهم أربعة وعشرين، واستشهد من فرقته اثنان. وأما فرقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تصادف مقاومة، وقد دخل عليه الصلاة والسلام راكباً راحلته، وهو منحن على الرحل تواضعاً لله تعالى، وشكراً له عز وجل على هذه النعمة العظمى، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشر خلت من رمضان.

نصبت له عليه الصلاة والسلام قبة في الموضع الذي أشار بأن تركز فيه الراية، فاستراح في القبة قليلا، ثم سار وهو يقرأ سورة الفتح وبجانبه أبو بكر، حتى دخل البيت وطاف سبعاً على راحلته، واستلم الحجر بمحجنه، وكان حول الكعبة أصنام كثيرة؛ فكان يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد.

بعد أن أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه أمر بالاصنام فأزيلت من حول الكعبة، وطهر الكعبة من هذه المعبودات الباطلة، ثم أخذ عليه الصلاة والسلام مفتاح الكعبة من حاجبها عثمان بن طلحة الشيبى، ودخلها وكبر في نواحيها ، ثم خرج إلى مقام إبراهيم وصلى فيه ، ثم جلس في المسجد والناس حوله ينتظرون ما هو آمر به في شأن قريش، فقال عليه الصلاة والسلام: يا معشر قريش ما تظنون أنى فاعل بكم؟ قالوا: خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وردَّ مفتاح الكعبة لسادنها، ثم خطب في الناس خطبة أبان فيها كثيراً من أحكام الدين، وبعد أن أتمها شرع الناس يبايعونه على الإسلام ، فأسلم كثير من قريش.

وممن أسلم في ذلك الوقت معاوية بن أبي سفيان ، وأبو قحافة والد الصديق ، وأسلم بعض من أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه في ذلك اليوم، وبايع فقبلت بيعته ، وبعد أن تمت بيعة الرجال بايعه النساء.

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يؤذن على ظهر الكعبة، وكانت هذه أول مرة ظهر فيها الإسلام على ظهر البيت.

وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها تسعة عشر يوماً، أرسل في أثنائها خالد بن الوليد في ثلاثين فارساً لهدم هيكل (العُزَّى) ، وهو أكبر صنم لقريش، وأرسل عمرو بن العاص لهدم (سواع) وهو أعظم صنم لهذيل ، وبعث آخر لهدم (مناة) وهي صنم لخزاعة.

غزوة حنين

وبهذا الفتح دانت للإسلام جموع العرب، ودخلوا في دين الله أفواجاً. غير أن قبيلتي هوازن وثقيف أخذتهم العزة والأنفة وتجمعوا لحرب المسلمين في مكة، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لهم في اثني عشر ألف مقاتل (وهو أكثر جنده عليه الصلاة والسلام)، فلما وصل جيش المسلمين إلى وادي حنين كان العدو كامناً في شعابه، فقاموا على المسلمين قومة رجل واحد قبل أن يتمكن المسلمون من تهيئة صفوفهم ، فانهزمت مقدمة جيش المسلمين ، وكاد جيش المسلمين يتفرق مع كثرة عدده ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس أن ينادي في جيش المسلمين بالثبات ، فاجتمعوا واقتتل الفريقان ، ولم تمض ساعات حتى انهزم الأعداء هزيمة شديدة ، وقد قتل من ثقيف وهوازن نحو سبعين، وغنم المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلاح وإبل.

ثم توجه رسول الله صلى عليه وسلم إلى ثقيف بالطائف فحاصرها مدة ولم يفتحها ، وبعد رجوعه منها أتاه وهو بالجعرانة وفود من هوازن يلتمسون منه رد نسائهم وأبنائهم الذين سباهم المسلمون، فقال عليه الصلاة والسلام: ما كان لى ولبني عبد المطلب فقد رددته إليكم. فقال المهاجرون والأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فرُدَّت إلى هوازن نساؤهم وأبناؤهم.

ثم قام عليه الصلاة والسلام من الجعرانة إلى مكة معتمراً، فأدى العمرة وعاد بعد ذلك إلى المدينة ، فوصلها لست بقين من ذى القعدة.

غزوة تبوك

أقام عليه الصلاة والسلام بالمدينة إلى منتصف السنة التاسعة للهجرة، ثم بلغه أن الروم يتجهزون في تبوك لحربه بعد ما كان بينهم وبين المسلمين في حادثة مؤتة، فتجهز عليه الصلاة والسلام لغزوهم في ثلاثين ألف مقاتل ، وكان المسلمون إذ ذاك في زمن عسرة وجدب، فلم يعقهم ذلك عن التأهب لقتال الأعداء ، وتصدق أبو بكر لذلك بجميع ماله؛ وعثمان بن عفان بمال كثير، فخرج عليه الصلاة والسلام حتى وصل تبوك فلم يجدهم بها، فأقام بضع عشرة ليلة، ثم قفل إلى المدينة، وهذه آخر غزواته صلى الله عليه وسلم.

عام الوفود

قد عرفت أن الدعوة إلى الإسلام كانت في مبدئها سراً وخفية، وأن الذين دخلوا في الإسلام إذ ذاك أفراد قليلون، وبعد الجهر بالدعوة أخـذ عددهم يزداد قليلاً قليلاً، إلى أن أُذِنَ له صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، فازداد عددهم بدخول عرب المدينة ومن حولها في الدين وحدانا وجماعات، ولكن الدعوة لم تصل إلى الدرجة المطلوبة من الانتشار والعموم حتى تم صلح الحديبية بين قريش والمسلمين، فكان ذلك الصلح سبباً كبيراً من أسباب فشوّ الدعوة وعمومها حيث أمنت الطرق وتمكن الرسول عليه الصلاة والسلام من إرسال الرسل والكتب الى الملوك والأمم والقبائل ، ثم تم الأمر بفتح مكة ودخول أعاظم قريش في الإسلام، وانتشار القرآن بأسلوبه البديع وحكمه البالغة المؤثرين في عقول العرب ذلك التأثير الذي لانت به شكيمتهم وشرعوا يَفِدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أفواجاً، وقد كان أكثر ذلك في السنة التاسعة للهجرة.

فمن ذلك وفد (ثقيف) جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عقب مقدمه من تبوك يريدون الإسلام ، وطلبوا أشياء أباها عليهم وأشياء أعطاها لهم.

ووفد (نصارى نجران) ، وهؤلاء لم يسلموا بل رضوا بدفع الجزية.

ووفود (بني فزارة) قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين.

ووفد (بني تميم) جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشرافهم ونادوه من وراء الحجرات ، وبعد تبادل الخطب وإنشاد الشعر بين خطبائهم وشعرائهم وخطباء المسلمين وشعرائهم أسلموا وعادوا إلى أوطانهم.

ووفد (بني سعد بن بكر) يؤمهم ضمام بن ثعلبة ، الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أسئلة كثيرة وأجابه عنها ، فأسلم وعاد إلى قومه فما بقى منهم أحد إلا أسلم من يومه.

ووفد (كندة) في مقدمته الأشعث بن قيس ، وقد أسلموا بعد أن سمعوا أوائل سورة الصافَّات.

ووفد (بني عبد القيس بن ربيعة) وكانوا نصارى فأسلموا جميعاً.

ووفد (بني حنيفة بن ربيعة) فأسلموا ، وكان فيهم مسيلمة بن حنيفة، الذي لقب بالكذاب لادعائه النبوة بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدار الآخرة.

ووفد (طيء من قحطان) يقدمهم زيد الخيل، وقد أسلموا جميعاً.

ووفد (بني الحارث بن كعب) فيهم خالد بن الوليد جاءوا مسلمين.

ووفود آخرون من قبائل شتى من (بني أسد) و (بني محارب) و(همدان) و(غسان) وغيرهم ، منهم من جاء مسلماً ، ومنهم من جاء للإسلام وأسلم، ورسل من ملوك حمير وغيرهم، جاءوا يخبرون بإسلامهم.

وهكذا دخل الناس في دين الله أفواجاً ، حتى بلغ من كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة أكثر من مائة ألف، والذين لم يحضروا حجة الوداع من المسلمين كانوا أكثر من ذلك أضعافاُ مضاعفة، (وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَّشَاءُ إِنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِى الأَبْصَارِ).

حجة الوداع

بعد أن عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، بعث أبا بكر الصديق رضى الله عنه في ذى القعدة إلى مكة سنة تسع من الهجرة ليحج بالناس ، وفي أواخر ذي القعدة من السنة العاشرة قام عليه الصلاة والسلام إلى مكة في جمع عظيم، وأحرم للحج عندما سارت به راحلته وقال: لبيك الله اللهم لبيك . لا شريك لك لبيك . إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك. ولم يزل سائراً حتى دخل مكة ضحوة يوم الأحد لأربع خلون من ذي الحجة ، وكان دخوله من ثنية كداء ، فطاف بالبيت سبعاً ، واستلم الحجر الأسود ، وصلى ركعتين عند مقام إبراهيم ، وشرب من ماء زمزم ، وسعى بين الصفا والمروة سبعاً راكباً على راحلته ، وفي الثامن من ذى الحجة توجه إلى منى فبات بها ، وفي التاسع منه توجه إلى عرفة وخطب خطبته المشهورة بخطبة الوداع. ابتدأها بعد الثناء على الله تعالى بقوله: أيها الناس اسمعوا منى أبين لكم ، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا في موقفي هذا. ثم قال: أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها . ثم قال: أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاًّ ولكم عليهن حقاًّ ، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم ، ولا يُدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ، ولا يأتين بفاحشة. أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ، فلا ترجعُنَّ بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، فإنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله. ألا هل بلغت ، اللهم اشهد. ثم قال: أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم. ليس لعربى فضل على عجمىٍّ إلا بالتقوى. ألاهل بلغت ، اللهم اشهد ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب.

وقد اشتملت هذه الخطبة العظيمة على غير ذلك من أحكام الله تعالى وحدوده.

وقد أنزل الله عليه في ذلك اليوم قوله سبحانه وتعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً).

وبعد أن أدَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم مناسك الحج: من رمى الجمار والنحر والحلق والطواف ، أقام بمكة عشرة أيام ثم قفل إلى المدينة صلى الله عليه وسلم.

مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته

في أوائل صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة مرض النبي صلى الله عليه وسلم بالحمى ،واستمر ثلاثة عشر يوماً يتنقل في بيوت أزواجه ، ولما اشتد عليه مرضه استأذن منهن أن يتمرض في بيت عائشة فأذنَّ له ، ولما تعذر عليه الخروج الى الصلاة قال : مروا أبا بكر فليصلّ بالناس ، ولما رأى الأنصار اشتداد مرضه أطافوا بالمسجد قلقين ، فخرج إليهم عليه الصلاة والسلام معصوب الرأس ، يخط برجليه متوكئاً على علىّ والفضل يتقدمهم العباس ، حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر وأحاط به الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس بلغنى أنكم تخافون من موت نبيكم. هل خلد نبي قبلى فيمن بعث الله فأخلد فيكم؟ ألا إنى لاحق بهم وإنكم لاحقون بى ، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً وأوصى المهاجرين فيما بينهم. إلى أن قال : ألا وأنى فرط لكم وأنتم لاحقون بى ، ألا فإن موعدكم الحوض ، ألا فمن أحب أن يَرِده علىَّ غدا فليكف يده ولسانه إلا فيما ينبغى.

وبينما المسلمون في صلاة الفجر يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول؛ وأبو بكر رضى الله عنه يصلى بهم؛ إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف سجف (ستر) حجرة عائشة رضى الله عنها ، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة وتبسم، فظن أبو بكر أن رسول الله يريد أن يخرج للصلاة فتقهقر إلى الصف، وكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم فرحاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر، ثم حضرته الوفاة ورأسه الشريف على فخذ عائشة رضى الله عنها، فقال: اللهم في الرفيق الأعلى. ولم تأت ضحوة ذلك اليوم حتى فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحياة الدنيا ولحق بربه عز وجل .

ولم يكن أبو بكر رضى الله عنه موجوداً في ذلك الوقت بالقرب من منزل عائشة، فلما حضر وأخبر الخبر دخل بيت عائشة وكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل يقبله ويبكى ويقول : صلوات الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حياًّ وميتاً. ثم خرج إلى الناس وقال: ألا إن من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حىٌّ لا يموت.

ثم مكث عليه الصلاة والسلام في بيته بقية يوم الاثنين وليلة الثلاثاء ويومه وليلة الأربعاء، حتى انتهي المسلمون من إقامة خليفة لهم، وتفرغوا لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه، فغسله علي بن أبي طالب بمساعدة العباس وابنيه الفضل وقثم وأسامة بن زيد وشقران مولَيَىْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كُفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة ، ووُضع على سريره في بيته، فدخل الناس يصلون عليه فرادى لا يؤمهم أحد ، ثم حفر اللحد في موضع وفاته من حجرة عائشة ورُش بالماء، وأنزله فيه علىّ والعباس وولداه الفضل وقثم، وقد رفع قبره الشريف عن الأرض قدر شبر.

وقد بلغ عمره الشريف ثلاثاً وستين سنة، مكث منها بمكة ثلاثة وخمسين سنة، وبالمدينة المنورة عشر سنين، صلى الله عليه وسلم وعظم وكرم.

(يتبع)

الصفحة التالية الصفحة السابقة


--------------------------------------------------------------------------------

تكملة السيرة النبوية

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ

السيرة النبوية

جديد الموقع: حلقات جديدة من لمسات بيانية مع الدكتور فاضل صالح السامرائي - حلقات جديدة من الكلمة وأخواتها - برنامج سحر القرآن، من أي زمرة أنت، في رحاب آية، زك صيامك على صفحة برامج رمضانية - حلقات برنامج الرحمن علّم القرآن للدكتور محمد هداية - محاضرات جديدة في صفحة محاضرات - حلقات جديدة من طريق الهداية






































































غزوة الخندق

كان بين المسلمين من الخزرج وبين يهود بني النضير المجاورين للمدينة عهد على التناصر، فخان اليهود عهدهم مع المسلمين، حيث هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج عليه الصلاة والسلام إليهم في السنة الرابعة للهجرة حتى أجلاهم عن مواطنهم، فأورث الله تعالى المسلمين أرضهم وديارهم، ولم يقر لهؤلاء اليهود قرار بعد ذلك فذهب جمع منهم إلى مكة، وقابلوا رؤساء قريش واتفقوا معهم ومع قبيلة غطفان على حرب المسلمين، فتجهزت قريش ومن تبعهم من كنانة، وتجهزت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، وتحزبوا جميعاً على محاربة المسلمين، حتى بلغ عدد جميعهم عشرة آلاف محارب قائدهم العام أبو سفيان.

فلما سمع رسول الله صلى عليه وسلم بتجمعهم لذلك استشار أصحابه فيما يعمل لمقاومتهم، فأشار سلمان الفارسيّ رضي الله عنه بحفر خندق في شمال المدينة من الجهة التي تؤتى منها المدينة، فحفروه وجاءت قريش ومن معها من الأحزاب ونزلوا خلف الخندق، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين أمام الخندق، واستمروا على هذه الحالة يترامون بالنبل بضعاً وعشرين ليلة، وقد رتب رسول الله صلى الله عليه وسلم حراسا على الخندق لئلا يقتحمه الأعداء ليلا، وكان يحرس بنفسه أصعب جهة فيه، ولما طالت المدة اقتحم جماعة من المشركين الخندق بخيلهم، فمنهم من وقع فيه فاندقَّ عنقه، ومنهم من برز له بعض شجعان المسلمين فقتله، وقد استمرت هذه المعركة يوما كاملا.

غزوة بني قريظة

ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن يهود بني قريظة القاطنين بجوار المدينة يريدون نقض ما بينهم وبينه من العهود، فاسترجع من جيشه خمسمائة رجل لحراسة النساء والذرارى، ولما علم المسلمون بأمر بني قريظة اشتد وجلهم لأن العدو قد أصبح محيطاً بهم من الخارج والداخل، ولكن الله سبحانه وتعالى قيَّض لرسوله صلى الله عليه وسلم من انبث بين الأعداء يفرق جموعهم بالخديعة والحيلة، حتى استحكم الفشل بينهم، وخاف بعضهم بعضاً، وأرسل الله تعالى عليهم ريحا باردة في ليل مظلم أكْفَأت قدورهم وطرحت آنيتهم، فارتحلوا من ليلتهم، وأزاح الله تعالى هذه الغُمَّة التي تحزَّب فيها الأحزاب من قبائل العرب واليهود على المسلمين.

وكانت هذه الحادثة بين شهري شوال وذي القعدة من شهور السنة الخامسة للهجرة، واستشهد فيها من المسلمين ستة، وقتل من المشركين ثلاثة.

ولما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلع لباس الحرب حتى حاصر بني قريظة لخيانتهم ونقضهم للعهد، واستمر محاصراً لهم خمساً وعشرين ليلة، حتى كادوا يهلكون ولم يروا بدًّا من التسليم لما يحكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضوا بأن ينزلوا على حكم سيدهم سعد بن معاذ، فحكم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم وأخذ غنائمهم، فحبس الرجال في دور الأنصار حتى حفرت لهم خنادق ضربت أعناقهم فيها، وكانوا نحو سبعمائة رجل، وبذلك أراح الله المسلمين من شر مجاورة هؤلاء الأعداء، والله عزيز ذو انتقام.

غزوة الحديبية وصلحها

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة الخندق بقية السنة الخامسة للهجرة، وفي السنة السادسة خرج إلى بني لحيان الذين قتلوا عاصم بن ثابت ومن معه، فوجد القوم قد تفرقوا، ثم إلى ذى قَرَد لرد إغارة عيينة بن حصن على لقاحه صلى الله عليه وسلم (واللقاح: جمع لَقْحة، وهي الناقة الحلوب)، ففر العدو بعد مناوشة لم تطل، ثم إلى بني المصطلق لما بلغه أنهم يجمعون له الجموع، فهزمهم وغنم منهم أموالا وسبايا.

ثم خرج صلى الله عليه وسلم في ذى القعدة من تلك السنة إلى مكة يقصد العمرة، وخرج معه من المهاجرين والأنصار ألف وخمسمائة، وساق معه الهدى ليعلم الناس أنه لم يخرج محاربا، وأمر أصحابه ألا يستصحبوا معهم من السلاح إلا السيوف مغمدة في قُرُبها، حتى لايدخلوا المسجد الحرام بسيوف مجردة، فسار عليه الصلاة والسلام بهذا الجمع حتى وصلوا عسفان، وهو موضع على مرحلتين من مكة، فجاءه من أخبره أن قريشاً اتفقت على صد المسلمين عن مكة، وتجهزت للحرب، وأخرجت خالد ابن الوليد في مائتي فارس ليصدوا المسلمين عن التقدم، فسار المسلمون من طريق آخر تملك مكة من أسفلها، حتى وصلوا إلى مهبط الحديبية، وهي بئر بقرب مكة سمى الموضع باسمها، فبركت ناقته صلى الله عليه وسلم، فأمر أصحابه بالنزول، وهناك جاء رسول من قريش يسأِل عن سبب مجيء المسلمين، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بمقصده، فلما رجع إلى قريش لم يثقوا به، فأرسلوا آخر، فلما رأى الهدى وسمع التلبية رجع وقال لقريش: إن القوم جاءوا معتمرين، وما ينبغي أن يُصَدُّوا، وما ينبغي أن تحج لخم وجذام وحمير ويمنع عن البيت ابن عبد المطلب، فلم تسمع قريش لقوله، وبعثوا آخر فرأى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم احترامهم لنبيهم ومحبتهم إياه، فرجع إلى قريش وحدثهم بما رأى وقال : إنى والله ما رأيت ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه. فتكلم القوم فيما بينهم، وقالوا: نرده عامنا ويرجع إلى قابل.

ثم أرسل رسول الله صلى الله عيه وسلم إليهم عثمان بن عفان رضى الله عنه في جوار رجل من بني أمية ليعلمهم بقصده، وخرج معه عشرة من المسلمين لزيارة أقاربهم بمكة، فقالت قريش: إن محمدا لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ثم منعوا سيدنا عثمان رضى الله عنه ومن معه من الرجوع، وشاع بين المسلمين أنه قد قتل، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه للبيعة على القتال، فبايعوه على ذلك، وكان ذلك تحت شجرة سميت بعد بشجرة الرضوان، وسميت هذه البيعة أيضاً بيعة الرضوان، وبعث المشركون طلائعهم فأسر المسلمون منهم اثني عشر رجلا.

ولما سمعت قريش بهذه البيعة خافوا أن تدور عليهم الدائرة؛ فأرسلوا أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للمكالمة في الصلح، وبعد أن أطلقوا سبيل سيدنا عثمان ومن معه، وأطلق المسلمون من أسروهم، اتفق معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قواعد الصلح، وهي أربعة أمور: ترك الحرب بين الفريقين عشر سنين. وأن يرجع رسول الله والمسلمون من عامهم دون أن يدخلوا مكة؛ فإذا جاء العام الثانى دخلوها بدون سلاح سوى السيوف في القُرُب وأقاموا بها ثلاثة أيام بعد أن تخرج منها قريش. وأن من أتى إلى المسلمين من قريش ردوه إليهم، ومن جاء الى قريش من المسلمين لايلزمون برده. وأن من أحب أن يدخل في عهد المسلمين دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل فيه.

وأملى النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب، فكتب بذلك وثيقة، وقد رضي المسلمون بما رضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تألموا من بعض هذه الشروط، ثم تحلل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من عمرتهم وعادوا إلى المدينة، ) وقد نزلت في هذه الحادثة سورة الفتح.

مراسلة رسول الله صلى الله عليه وسلم للملوك

بعد تلك الهدنة التي تمت بصلح الحديبية أمن المسلمون شر قريش، وأصبحت طرق المواصلة مع سائر الجهات متيسرة، فشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نشر الدعوة وتعميمها، فكاتب ملوك الأرض يدعوهم وأممهم إلى الإسلام، واتخذ له خاتما نقشه : (محمد رسول الله).

فبعث دحية الكلبي بكتاب إلى قيصر ملك الروم وكان بالقدس، فلما وصله الكتاب، وكان أبو سفيان بالشام في تجارة، فاستدعاه وسأله عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب. فسأله: هل تكلم بهذا القول أحد قبله؟ فقال: لا. فسأله هل كنتم تتهمونه بالكذب؟ فقال: لا. فسأله: هل كان من آبائه ملك؟ فقال: لا. فسأله: هل أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم. فسأله: فهل يزيدون أم ينقصون؟ فقال: بل يزيدون. فسأله: فهل يرتدُّ أحد منهم كراهية في دينه؟ فقال: لا. فسأله: هل يغدر إذا عاهد؟ فقال: لا. فسأله: هل قاتلتموه وكيف حربكم وحربه؟ فقال: حاربناه، وكانت الحرب بيننا وبينه سجالا، مرة لنا ومرة علينا. فسأله: بم يأمركم؟ فقال: يقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهي عما كان يعبده آباؤنا، ويأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. فاستنتج ذلك الملك مما ذكر أنه نبي، وقال لأبي سفيان: إن كان ما كلمتني به حقا فسيملك موضع قدميّ هاتين، ثم جمع عظماء الروم وحادثهم في اتباع هذا النبي، فنفروا وقد غلب عليه حب ملكه فلم يسلم، ولكنه رد دحية ردا جميلا.

وأرسل عليه الصلاة والسلام الحارث بن عمير بكتاب إلى أمير بصرى، فلما بلغ مُؤْتَة من قرى الشام تعرض له شرحبيل العسالي فقتله، ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره.

وأرسل عليه الصلاة والسلام كتاباً الى أمير دمشق التابع لملك الروم، فلما وصله الكتاب وقرأه رمى به واستعد لحرب المسلمين، واستأذن ملكه في ذلك فلم يأذن له.

وأرسل عليه الصلاة والسلام حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى المقوقس أمير مصر من قبل ملك الروم، وكان بالإسكندرية، فلما قرأه قال لحاطب: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده؟ فقال له حاطب: ألست تشهد أن عيسى رسولَ الله هو ابنُ الله ؟ فلِمَ لَمْ يمنعه الله حين أخذه قومه ليقتلوه؟ فقال المقوقس لحاطب: أحسنت، ولقد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضار، ولا بالكاهن الكذاب، وسأنظر. ثم كتب ردا لجواب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكـلام لا اعتراف فيه ولا إنكار، وأهدى له جاريتين، إحداهما مارية التي تسرى بها عليه الصلاة والسلام وأتى منها بولده إبراهيم عليه السلام.

وأرسل عليه الصلاة والسلام كتابا إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما قرأه قال للرسول: إني أعلم والله أن عيسى بَشَّر به، ولكن أعواني بالحبشة قليل.

وأرسل إلى كسرى ملك الفرس فاستكبر ومزق الكتاب، فمزق الله تعالى ملكه كل ممزَّق.

وأرسل إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، فأسلم وأسلم معه بعض قومه، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم أميراً من قبله على جهة البحرين.

وأرسل إلى جعفر وعبد الله ابني الجلندي ملكي عمان، فأسلما بعد أن سألا عما يأمر به النبي وينهي عنه، فقال لهما رسول النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأمر بطاعة الله عز وجل وينهي عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهي عن الظلم والعدوان والزنا وشرب الخمر؛ وعن عبادة الحجر والوثن والصليب.

وأرسل عليه الصلاة والسلام الى هوذة بن على ملك اليمامة، فطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل له بعض الأمر فلم يجبه.

غزوة خيبر

بعد أن تم صلح الحديبية واستراح المسلمون من غزوات قريش، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستريح أيضاً من أعدائه القريبين الذين يتربصون به الشر، وهم أهل خيبر الذين حزبوا الأحزاب على المسلمين في غزوة الخندق، فخرج صلى الله عليه وسلم إلى خيبر في أول السنة السابعة للهجرة، وكانت خيبر محصنة بثمانية حصون، فعسكر المسلمون خارجها، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخيلهم ليرهبهم، فلما رآهم مصرين على القتال بدأهم بالمراماة، واستمروا في المناوشة سبعة أيام، ثم حمل المسلمون على اليهود حتى كشفوهم عن مواقفهم، وتبعوهم حتى دخلوا أول حصن، فانهزم الأعداء إلى الحصن الذي يليه، فقاتلوا عنه قتالا شديدا حتى كادوا يردون المسلمين عنه، ولكن المسلمين اقتحموا عليهم هذا الحصن حتى ألجأوهم إِلى الحصن الذي يليه، وحاصروهم فيه ومنعوا عنهم جداول الماء، فخرجوا وقاتلوا حتى انهزموا إلى حصن آخر، وهكذا حتى لم يبق غير الحصنين الأخيرين فلم يقاوم أهلهما، بل سلموا طالبين حقن دمائهم، وأن يخرجوا من أرض خيبر بذراريهم، لايأخذ الواحد منهم إلا ثوبا واحداً على ظهره، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، وغنم المسلمون من خيبر غنائم كثيرة من دروع وسيوف ورماح وأقواس وحلى وأثاث ومتاع وغنم وطعام.

وقد قتل من اليهود في هذه الغزوة ثلاثة وتسعون قتيلا، واستشهد من المسلمين خمسة عشر شهيدا.

وفي هذه الغزوة أهدت امرأة يهودية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذراع شاة مسمومة فأخذ منها مضغة ثم لفظها، حيث أعلمه الله تعالى أنها مسمومة، وقد اعترفت تلك المرأة بما فعلت، وقالت: قلت إن كان نبياًّ لن يضر، وإن كان كاذباً أراحنا الله منه. فعفا عنها صلى الله عليه وسلم.

وبعد فتح خيبر أرسل صلى الله عليه وسلم إلى يهود فدك، فصالحوا على أن يتركوا له أموالهم ويحقن دماءهم، فأجابهم لذلك.

وبعد رجوع المسلمين من خيبر قدم من الحبشة بقية من كان فيها من المهاجرين، منهم جعفر بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري وقومه، بعد أن أقاموا بها عشر سنين.

وقد أسلم بعد غزوة خيبر ثلاثة من عظماء الرجال: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طليحة العبدري

عمرة القضاء

ولما حال الحول على صلح الحديبية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى الحديبية الذين صُدُّوا معه عن البيت عام الحديبية، ليقضوا تلك العمرة التي صُدُّوا عنها حسب عهدة الحديبية، فلما وصلوا إلى مكة خرجت منها قريش ودخلها المسلمون وقضوا عمرتهم، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام وانصرفوا إلى المدينة بسلام.

سرية مؤتة

في منتصف السنة الثامنة للهجرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً مؤلفاً من ثلاثة آلاف مقاتل، للاقتصاص من عمرو بن شرحبيل أمير بصرى من قبل الروم لقتله الحارث بن عمير الذي بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، فلما بلغ هذا الجيش أرض مؤتة قابلهم الروم والعرب المتنصرة في مائة وخمسين ألفاً، وكان قائد المسلمين زيد بن حارثة فقُتل، فتولى القيادة جعفر بن أبي طالب فقُتل، ثم عبد الله بن رواحة فقُتل، وكان هذا الترتيب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن استشهد من سماهم النبي صلى الله عليه وسلم اتفق الجيش على تولية خالد بن الوليد، فجعل يخادع الأعداء حتى ألقى الله الرعب في قلوبهم وانصرفوا.

(يتبع)

الصفحة التالية الصفحة السابقة


--------------------------------------------------------------------------------

http://islamiyyat.com/index.php

http://islamiyyat.com/index.php



الرئيسيةالقرآن الكريمقسم الفيديونصوص حلقات برامج تلفزيونيةتحميلالمنتدياتخريطة الموقعاتصل بناالبحث
بحث مخصص تأكد من صحة الحديث

بحث عن:


حلقات الشيوخ



المتواجدون الآن
يوجد حالياً 80 زائر على الخط عداد الزوار

القرآن الكريم وعلومهالقرآن الكريمتجويد القرآن الكريمتفسير القرآن للشعراويخواطر الشعراوي بالصوتأهداف سور القرآنفضائل سور القرآنفي ظلال آيةحديث القرآن بالقرآنحلقات برنامج التفسير المباشرمن المشترك اللفظي في القرآنقبسات من روائع البياندعاء ختم القرآنرحلة القرآن العظيمبرنامج بيناتالسيرة النبوية والحديثالسيرة النبوية العطرةحلقات مسجلة عن السيرة النبويةوصايا الرسول الكريم وأحاديثهأقوال المستشرقين عن الرسولالأحاديث القدسيةأسماء الله الحسنىأسماء الله الحسنى من الكتاب والسنةأسماء الله الحسنىالإعجاز العلمي في القرآن والسنةموسوعة الإعجاز العلميالاعجاز العلمي مع الدكتور زغلول النجارالاعجاز العلمي مع هارون يحيىأفلام علمية مع شواهد قرآنيةلمسات بيانيةالدكتور فاضل السامرائيبرنامج لمسات بيانيةنبذة عن حياة الدكتور فاضل السامرائيكتب الدكتور فاضل السامرائيشعر الدكتور فاضل السامرائيمحاضراتلمسات في البيان القرآنيالدكتور حسام النعيمىسحر البيانلمسات بيانيةمتفرقاتبرامج الدكتور أحمد الكبيسيالكلمة وأخواتها في القرآن الكريم (حلقات مكتوبة)الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم (حلقات صوتية)للذين أحسنوا الحسنى (حلقات مكتوبة)للذين أحسنوا الحسنى (حلقات فيديو)أحسن الحديثالبشائرالسابقونمن أي زمرة أنت؟الأسوة الحسنةوأُخر متشابهاتخير الغافرينخير الكلامأحسن القصص (حلقات صوتية)أحسن القصص (حلقات فيديو)أنا مع عبدي إذابرامج الدكتور محمد هدايةطريق الهدايةالدين القيمالرحمن علم القرآنزك صيامكقصص القرآنأمة وسطاحلقات برامج بعض العلماءالدكتور عمر عبد الكافيالشيخ خالد الجنديالدكتور طار ق السويدانالدكتورة رقية العلوانيد. أحمد حسن فرحاتالشيخ السيد البشبيشيحلقات مترجمةطريق الهدايةسحر القرآنلمسات بيانيةتفسير الشعراويأركان الإسلامالتوحيدالصلاةالصيامالزكاةالحجقصص القرآن والأنبياء والصحابةأحسن القصصقصص القرآن والأنبياء والصحابةالصحابةشخصيات إسلاميةتأملات في أحسن القصصاللغة والأدبلغتنا العربيةقصائد شعريةقصائد الشاعر حسن إبراهيممقالاتمقالات قرآنيةمقالاتمشاركات الزواربرامج وكتببرامجكتب مجانيةكتب الدكتور فاضل السامرائيفهرس موقع تحميل الكتبالمتحفالمتحف الإسلاميمخطوطات قرآنيةالكعبة المشرفةأدعية وأذكارأدعيةأذكاردعاء ختم القرآنكلمات مضيئةكلمات مضيئةمقتطفات من البريدمن حوار المنتدياتأحلى الكلاممحاضرات وصوتياتمحاضرات العديد من العلماءمحاضرات الشيخ الغزاليدليل المواقع الإسلامية والبرامجمواقع القرآن الكريممواقع الحديث والسنة النبوية المطهرةمواقع عامةمواقع متخصصةمواقع مشايخمواقع اخباريةمواقع مجلات إسلاميةمواقع إسلامية بلغات أجنبيةشاهد على المحطات الفضائيةسجل الزوارالرئيسيةسجل الزوار القديم
تسجيل الدخول
اسم المستخدم


كلمة مرور


تذكرني


نسيت كلمة المرور؟
نسيت اسم المستخدم؟
التسجيل




--------------------------------------------------------------------------------


جديد المقالات الأكثر قراءة الأكثر تعليقا جديد الفيديو جديد التحميل الأكثر تحميلا جديد المنتديات دروس علمية للشيخ الدكتور محمد الربيعة
مجالس تدبر سورة البقرة
وأُخر متشابهات - الحلقة 85
خير الكلام - (إذا تراضوا بينهم بالمعروف)
علم السياق القرآني - 3
علم السياق القرآني - 4
علم السياق القرآني - 9
السياق القرآني في سورة البقرة-3
السياق القرآني في سورة البقرة-2
السياق القرآني في سورة البقرة-1
تفسير القرآن للشيخ محمد متولي الشعراوي (ملفات صوتية)
تناسب خواتيم السور مع فواتح السور التي تليها مباشرة
حلقات تفسير القرآن الكريم للشيخ محمد متولي الشعراوي
برنامج أحسن القصص
حلقات فيديو لبرنامج الكلمة وأخواتها للدكتور أحمد الكبيسي
برامج إسلامية للتحميل
مواقع تجويد القرآن الكريم
ملفات في اللمسات البيانية في القرآن الكريم
جدول حلقات لمسات بيانية
حديث الشيخ الشعراوي بالصوت
نبذة عن حياة الدكتور فاضل صالح السامرائي (29)
طريق الهداية - الرحمة المهداة 4 (28)
حلقات فيديو لبرنامج الكلمة وأخواتها للدكتور أحمد الكبيسي (27)
تفسير القرآن للشيخ محمد متولي الشعراوي (ملفات صوتية) (25)
ملفات في اللمسات البيانية في القرآن الكريم (23)
طريق الهداية - حلقة خاصة بشهر رمضان 2 (18)
طريق الهداية - حلقة خاصة عن الإسراء والعروج 2 (17)
كتب اللغة والنحو - كتاب معاني الأبنية في العربية (17)
كتب الدكتور فاضل السامرائي - أسئلة بيانية في القرآن الكريم (16)
طريق الهداية - التوبة والاستغفار 102 (15)
التوبة والاستغفار 133 خير الكلام - (إذا تراضوا بينهم بالمعروف) لمسات بيانية - السيد البشبيشي- أسرار التكرار في القرآن-8

أهداف سورة الفاتحة
هدف سورة المائدة - ملف باوربوينت
تفسير القرآن الكريم كلمة كلمة
تفسير القرآن الكريم كلمة كلمة
هدف سورة النساء - عرض باوربونت
العشرة المبشرون بالجنة
جدول المداومة على الأذكار
القرآن
استغفار
حساب الزكاة
انا محتاج الى كتاب
*جديد* التوبة و الاستغفار133(25-5-2010) برنامج طريق الهداية
سورة الحج ومعانيها التربوية
كما تدين!!!! تدان
الصـلاة / عمـر عبد الكـافي
الاعلام العربي والحجاب
صلاة الفجر في وقتها
قراءة سورتين في ركعة
المصحف الجامع
نعم الشريعة على النساء في سورة النساء

إسلاميات
إهداء

أبدأ بسم الله الرحمن الرحيم وبحمده وشكره على ما وفّقني إليه و أعانني عليه من جمع هذه الصفحات وإعدادها لكي تكون في متناول المسلمين في أنحاء العالم راجية أن تجدوا فيها ما يفيدكم في أمور الدين و أهدي هذه الصفحات لروح والدي رحمه الله وأسأله تعالى أن يغفر له وللمسلمين جميعاً ويجعل قبورهم روضة من رياض الجنة ويجمعنا بهم في جنات النعيم وأن لا يقطع أعمالهم من دعائنا ويوفقنا للبرّ بوالدينا أحياء وأموات اللهم آمين وأسأله أن يتقبل مني هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ويجعله في ميزان الحسنات يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.





رسالة ترحيب بالزوار




هذه ولله الحمد والمنّة صفحات أرجو بها الفائدة لي وللمسلمين في أنحاء العالم وقد وفقني الله تعالى لجمع ما تيسر لي من معلومات تفيدنا في فهم ديننا الحنيف والمساعدة على الثبات على هذا الدين الذي ارتضاه لنا سبحانه ووفقنا وهدانا لأن نكون مسلمين . وقد احتوت هذه الصفحات دليلاً ضخماً للمواقع الإسلامية المفيدة في شتى المجالات الإسلامية باللغة العربية وبلغات متعددة في القرآن الكريم والتفسير إلى السنّة النبوية المطهّرة والسيرة العطرة إلى أركان الإسلام ومواقع لبعض المشايخ الأفاضل وغيرها من المواقع التي أسأل الله ان تجدوا فيها العلم والنفع. وينفرد الموقع بتفريغ حلقات برامج لبعض العلماء الأفاضل تخدم القرآن الكريم من بلاغة وبيان للدكتور فاضل السامرائي في لمسات بيانية و الدكتور حسام سعيد النعيمي ضمن نفس البرنامج وتفسير كلمات القرآن وأخواتها للدكتور أحمد الكبيسي في الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم وبرنامج وأُخر متشابهات والعديد من برامج الدكتور الرمضانية،وتفسير القرآن الكريم لإمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في خواطر الشيخ الشعراوي وكذلك حلقات برنامج بينات وبرنامج التفسير المباشر. يضم الموقع أيضاً صفحة أهداف سور القرآن الكريم التي تضمنت شرح أهداف سور القرآن عن برنامج خواطر قرآنية لعمرو خالد وفي الموقع أيضاً صفحة طريق الهداية عن برنامج بنفس الإسم للدكتور محمد هداية يُعرض على قناة دريم 2 وبرنامج قصص القرآن وبرنامج الرحمن علّم القرآن لدكتور محمد هداية، وصفحات الإعجاز العلمي وصفحات المحاضرات والكتب والبرامج المجانية. وفي الموقع قسم الفيديو الذي يمكن الزوار من مشاهدة حلقات البرامج التلفزيونية التي يتم تفريغها وعدد من الحلقات لعلماء أفاضل وكذلك يوجد قسم لتحميل بعض الكتب والبرامج المجانية والعروض والصور. كما يتضمن الموقع أيضاً بعض كتاباتي المتواضعة في مواضيع مختلفة في كلمات مضيئة وقد أوردت أيضاً صفحة للأذكار النبوية وبعض الأدعية المفيدة وختاماً فيه صفحة سجل الزوار التي أرجو من زوّار الموقع توقيعها وإبداء الملاحظات والنصح والإرشاد حتى تعم الفائدة وأعمل على تطوير هذا الموقع لما فيه المصلحة العامة إن شاء الله وفقنا الله جميعاً لخدمة هذا الدين كل منّا بقدر إمكانياته فكلّنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته. بارك الله بالجميع وأتمنى لكم تصفّحاً مفيداً نافعاً إن شاء الله تعالى وشكراً لكم على زيارة هذا الموقع المتواضع. وما توفيقي إلا بالله العزيز الحميد فما أصبت فيه فمن الله عزّ وجل وما أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان فأسأل الله أن يغفر لي ولكم وأن يعيننا على فعل الخيرات وصالح الأعمال وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلّها اللهم آميـــن.




أختكم في الله الراجية مغفرة الله ورضوانه

سمر محمد الأرناؤوط



footer
هذا الموقع باستضافة Practical host جميع الحقوق محفوظة لموقع إسلاميات

السيرة النبوية

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ

السيرة النبوية

جديد الموقع: حلقات جديدة من لمسات بيانية مع الدكتور فاضل صالح السامرائي - حلقات جديدة من الكلمة وأخواتها - برنامج سحر القرآن، من أي زمرة أنت، في رحاب آية، زك صيامك على صفحة برامج رمضانية - حلقات برنامج الرحمن علّم القرآن للدكتور محمد هداية - محاضرات جديدة في صفحة محاضرات - حلقات جديدة من طريق الهداية





































































بدء الوحي

لما كمل سنه صلى الله عليه وسلم أربعين سنة-وهو سن الكمال، أكرمه الله تعالى بالنبوة والرسالة رحمة للعالمين.

فبينما هو صلى الله عليه وسلم في خلوته بغار حراء، وكان ذلك في شهر رمضان على أصح الروايات، إذ جاءه جبريل الأمين عليه السلام بأمر الله تعالى، ليبلغه رسالة ربه عز وجل، ) وقد تمثل جبريل عليه السلام في هذه المرة بصورة رجل. فقال له: اقرأ، فقال له عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ (لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً لم يتعلم القراءة)، فغطه جبريل عليه السلام في فراشه غطا شديدا (أى ضمه وعصره بشدة)، ثم أرسله فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطه ثانية ثم أرسله وقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، ثم غطه الثالثة وأرسله فقال له: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ اْلإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ اْلأَكْرَمِ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ اْلإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف عنه جبريل عليه السلام وهو يقول: يامحمد أنت رسول الله وأنا جبريل. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله يرجف فؤاده مما أدركه من الروع لشدة مقابلة الملك فجأة وشدة الغطّ التي اقتضاها الحال.

ولما رجع عليه الصلاة والسلام إلى أهله، ودخل على زوجه خديجة رضى الله عنها قال: زَمِّلوني زَمِّلوني (أي اطرحوا عليَّ الغطاء ولفوني به - ليذهب عنه الروع)، فلما ذهب عنه الروع أخبر خديجة رضي الله عنها بما كان، فقالت له: أبشر يا ابن عم واثبت، فإنى لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.

ثم ذهبت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخا كبيرا يعرف الإِنجيل وأخبار الرسل، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، أي أن هذا الملك الذي جاءك هو الناموس؛ أى صاحب سر الوحي الذي نزله الله تعالى على نبيه موسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يعرف من الكتب القديمة وأخبارها أن جبريل هو رسول الله إلى أنبيائه.

ثم تمنى ورقة أن لو كان شابا يقدر على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم عند ظهوره بأمر الرسالة ومعاداة قومه له؛ لأنه يعرف من أخبار الرسل أن قومهم يعادونهم في مبدإ أمرهم، ثم توفي ورقة بعد ذلك بزمن قريب.

فترة الوحي وعودته

بعد هذه الحادثة فتر الوحي وانقطع مدة لا تقل عن أربعين يوما، اشتدّ فيها شوق النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوحي وشقّ عليه تأخره عنه، وخاف من انقطاع هذه النعمة الكبرى: نعمة رسالته عليه الصلاة والسلام بين الله عز وجل وبين عباده ليهديهم إلى صراطه المستقيم.

فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يمشى في أفنية مكة إذ سمع صوتا من السماء، فرفع بصره فإذا الملك الذي جاءه بغار حراء وهو جبريل عليه السلام، فعاد إليه الرعب الذي لحقه في بدء الوحي فرجع إلى أهله وقال: دَثِّرونى دَثِّرونى (التدثير بمعنى: التزميل السابق بيانه).

فأوحى الله تعالى إليه:

يـَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرْ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلاَتَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ* وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ.

فأنذر: حذر الناس من عذاب الله إذا لم يفردوه بالعبادة. فكبر: أي عظِّمْ ربك وخُصَّه بالتعظيم والإجلال. فطهر: أي حافظ على الطهارة والنظافة من الأقذار والأنجاس. والرجز فاهجر: أي اترك المآثم والذنوب. ولا تمنن تستكثر: أي لا تتبع عطاياك وهباتك بالطمع في أخذ الزيادة ممن تعطيه. ولربك فاصبر: أي اصبر على ما يلحقك من الأذى في سبيل الدعوة إلى الإسلام ابتغاء وجه ربك.

فكان ذلك مبدأ الأمر له صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الإسلام وبعد ذلك تتابع الوحي ولم ينقطع.

كيفية الوحي

للوحي طرق متنوعة وقد عرفت أن من مبادئه الرؤيا الصادقة، فرؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي من قبيل الوحي.

ومن طرق الوحي أن يأتي الملك إلى النبي متمثلا بصورة رجل، فيخاطب النبي حتى يأخذ عنه ما يقوله له ويوحي به إليه، وفي هذه الحالة لا مانع من أن يراه الناس أيضا، كما حصل في كثير من أحوال الوحي لنبينا عليه الصلاة والسلام.

ومن طرق الوحي أيضاً أن يأتي الملك في صورته الأصلية التي خلقه الله تعالى عليها، ويراه النبي كذلك فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، ولم يحصل هذا لنبينا عليه الصلاة والسلام إلا قليلا.

ومن طرق الوحي أيضاً أن يلقى الملك في روع (أي ذهن) النبي وقلبه ما يوحي به الله إليه، من غير أن يرى له صورة، وقد حصلت هذه الكيفية أيضاً لنبينا صلى الله عليه وسلم.

وأحيانا كان يأتي الملك مخاطباً للنبي بصوت وكلام مثل صلصلة الجرس (أي صوته)، وهذه الحالة من أشد أحوال الوحي على النبي، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم عندما يأتيه الوحي بهذه الكيفية يعرق حتى يسيل العرق من جبينه في اليوم الشديد البرد، وإذا أتاه وهو راكب تبرك به ناقته.

وقد يكون الوحي بكلام الله تعالى للنبي بدون واسطة الملك، بل من وراء حجاب، كما حصل ليلة الإسراء لنبينا صلى الله عليه وسلم.

الدعوة إلى الإسلام سرا

على إثر عودة الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فترته، قام عليه الصلاة والسلام بأمر الدعوة إلى ما أمره الله تعالى به من إرشاد الثقلين: الإنس والجن جميعا إلى توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة دون سواه من الأصنام والمخلوقات، وأرشد الله تعالى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أن يبدأ بالدعوة سراَّ؛ فكان يدعو إلى الإسلام من يطمئن إليه ويثق به من أهله وعشيرته الأقربين ومن يليهم من قومه، واستمر على ذلك ثلاث سنين مثابراً على الدعوة إلى الله تعالى خفية، حتى آمن به أفراد قلائل كانوا يقيمون صلاتهم ويؤدون ما أمروا به من شعائر الدين، مستخفين عمن سواهم لا يظهرون بذلك في مجامع قريش؛ بل كان الواحد منهم يختفي بعبادته عن أهله وولده.

ولما بلغ عددهم نحو الثلاثين، وكان من اللازم اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم لإرشادهم وتعليمهم، اختار لهم عليه الصلاة والسلام داراً فسيحة لأحدهم، وهي دار الأرقم بن الأرقم، فكانوا يجتمعون فيها، واستمروا على ذلك يزيد عددهم قليلا قليلا حتى أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة.

الباعث على الإسرار بالدعوة

في أول ما نزل الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- في أواخر شهر رمضان من السنة المتممة للأربعين من عمره الشريف بغار حراء الذي كان يتعبد فيه- لم يؤمر آنذاك بتبليغ الرسالة للناس، بل كان الأمر في ذلك قاصرا على إبلاغه رسالة ربه إليه، وتمجيده جلّ وعلا بما جاء في سورة (اقرأ باسم ربك)، وبعد أن فتر الوحي مدة عاد بأمر الله تعالى له بأن يقوم بتبليغ رسالة ربه.

ولما كان أهل مكة الذين بُعِثَ فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما جفاة متخلقين بأخلاق تغلب عليها العزة والأنفة، وفيهم سدنة الكعبة، أي خدمها وهم القابضون على مفاتيحها، والقوَّام على الأوثان والأصنام، التي كانت مقدسة عند سائر العرب: يعبدونها ويتقربون إليها بالذبائح والهدايا، ولا يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا ينقادون إليه بسهولة، كان من حكمة الله تعالى تلقاء ذلك أن تكون الدعوة إلى دين الإسلام في مبدأ أمرها سرية؛ لئلا يفاجئوا بما يهيجهم وينفرون منه ويكون سبباً لشنّ الغارات والحروب وإهراق الدماء.

والداعي صلوات الله عليه وسلامه لم يكن له إذ ذاك ناصر ولا معين من خَلْق الله. ومن سنة الله تعالى في خلقه ربط الأسباب بالمسببات، فلم يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة من قبل أن يهيئ له أسباب النصر والفوز على من يقاومه في ذلك، خصوصاً أن قومه الذين بُعث فيها بينهم كانوا أشد الناس تمسكا بمعبوداتهم وحرصاً على ما كان عليه آباؤهم.

ومن المعلوم أن من الناس من هو عظيم في قومه رفيع الدرجة فيما بينهم، ومنهم من هو دون ذلك، فالعظماء من الناس تمنعهم أنفتهم من إجابة الداعي لهم إلى مفارقة ما عليه جماعتهم، ونبذ ما بينهم من الروابط القومية والعادات المتأصلة، إذ كل فرد منهم يرى أن انفراده بالرضوخ للغير ينقصه في نظر قومه. فإذا فوجئ هؤلاء الأعاظم بإعلان الدعوة إلى غير ما كانوا عليه؛ ظهروا بمظهر المنكر المعاند وقاوموا الدعوة بجملتهم. وغير الأعاظم هم تبع العظماء والرؤساء؛ فإذا دعوا إلى مخالفة ما عليه أولئك العظماء جهارا لم يجسروا على إجابة الداعى متى لم يسبقهم إلى ذلك إفراد من العظماء.

فإعلان الدعوة يحتاج إلى مقدمة يستأنس بها الفريقان، وما ذلك إلا باجتذاب أفراد من هؤلاء وهؤلاء خفية؛ حتى إذا تكونت منهم جماعة وأعلنت بهم الدعوة؛ سهل على غيرهم أن ينبذوا تقاليد قومهم، ويتبعوا ما يدعوهم إليه الداعي مما تنشرح له صدورهم ولا تأباه فطرهم.

أول من أسلم

كان أول من سطع عليه نور الإسلام من مبدإ الدعوة إليه خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأسبقية إسلام السيدة خديجة على الجميع تكاد تكون بالاتفاق، والمشهور أن سيدنا أبا بكر الصديق أسبق الرجال إسلاما، وأن على بن أبي طالب أول الصبيان إسلاما، وأن زيد بن حارثة أول الموالى إسلاما.

ثم أسلم ابن عمه على بن أبي طالب وعمره إذ ذاك عشر سنين؛ وكان مقيما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا حضرت الصلاة خرج به النبي صلى الله عليه وسلم إلى شعاب مكة مختفيين فيصليان ويعودان كذلك، وقد اطلع عليهمـا أبو طالب وهما يصليان مرة، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخى، ما هذا الدين الذي أراك تدين به. قال: أىْ عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم؛ بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت ياعم أحق من بذلت له النصيحة ودَعَوْته إلى الهدى، وأحق من أجابني وأعانني عليه. فقال أبو طالب: يا ابن أخي، إنى لا أستطيع أن افارق دين آبائي. ولكنه مع ذلك أقر ولده عليًّا على اتباع هذا الدين ووعد النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينصره ويدفع عنه السوء.

وقد أسلم بعد ذلك زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم، الذي تبناه بعد أن أعتقه وزوجه أم أيمن حاضنته صلى الله عليه وسلم، وقد كانت من السابقين إلى الإسلام.

وأبو بكر الصديق رضى الله عنه وكان صديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة يعرف صدقه، فعندما أخبره برسالة الله أسرع بالتصديق، وقال: بأبي أنت وأمى أهل الصدق أنت، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر. وكان رضى الله عنه عظيما في قومه يثقون برأيه، فدعا إلى الإسلام من توسم فيهم الإجابة، فأجابه عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأتى بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا. ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن الجراح، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وسعيد بن زيد العدوى، وأبو سلمة المخزومى، وخالد ابن سعيد بن العاص، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبيد الله، والأرقم بن الأرقم. وكل هؤلاء من بطون قريش.

ومن غيرهم صهيب الرومي، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفارى، وعبد الله بن مسعود وغيرهم.

وقد استمرت هذه الدعوة السرية ثلاث سنين، أسلم فيها جماعة لهم شأن في قريش وتبعهم غيرهم، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس، فجاء وقت الجهر بالدعوة.

مبدأ الجهر بالدعوة

بعد أن مضى على الإسرار بالدعوة ثلاث سنين كثر دخول الناس في دين الإسلام من أشراف القوم ومواليهم: رجالهم ونسائهم، وفشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس، فأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة وأنزل عليه: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) فبادر بامتثال أمر ربه؛ وأعلن لقومه الدعوة إلى دين الله تعالى؛ وصعد على الصفا ونادى بطون قريش.

فلما اجتمعوا قال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ. قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا، فقال: فإني نذير لكم بين يدى عذاب شديد. فقام أبو لهب من بينهم وقال: تبا لك ألهذا جمعتنا، فأنزل الله تعالى في شأنه: (تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ* سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّاَلةَ الْحَطَبِ* في جِيدِها حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)، وقد كانت امرأة أبي لهب تمشى بالنميمة في نوادي النساء وتتقول الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشعل بذلك نار الفتنة، ثم أنزل الله تعالى عليه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اْلأَقْرَبِينَ)، فجمع من بني عبد مناف نحو الأربعين وقال لهم: ما أعلم إنسانا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به؛ قد جئتكم بخيرى الدنيا والآخرة، وقد أمرنى الله أن أدعوكم إليه، والله لو كَذَبْتُ الناسَ جميعاً ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إنى لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة. والله لتموتن كما تنامون؛ ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءاً. إنها لجنة أبدا أو لنار أبدا. فتكلم القوم كلاما لينا، وقام أبو لهب وقال: شدَّ ما سحركم صاحبكم، خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب. فمانعه في ذلك أبو طالب وتفرق الجمع.

تذمر قريش من تسفيههم وعيب آلهتهم

لما استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعلان الدعوة إلى الله وتوحيده لم يجد من قومه في مبدإ الأمر مقاومة ولا أذى، غير أنهم كانوا ينكرون عليه فيما بينهم فيقولون إذا مر عليهم: "هذا ابن أبي كبشة يكلم من السماء، هذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء". ولا يزيدون على ذلك، وأبو كبشة كنية لزوج حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن المرضعة بمنزلة الأم كذلك صاحب اللبن بمنزلة الأب. وكانوا يريدون بذلك تنقيص النبي صلى الله عليه وسلم عنادا واستكباراً.

ولكن لما استتبع إعلان الدعوة عيب معبوداتهم الباطلة، وتسفيه عقول من يعبدونها، نفروا منه وأظهروا له العداوة غيرة على تلك الآلهة التي يعبدونها كما كان يعبدها آباؤهم، فذهب جماعة منهم إلى عمه أبي طالب وطلبوا أن يمنعه عن عيب آلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه عقولهم أو يتنازل عن حمايته، فردهم أبو طالب رداً جميلا.

واستمر رسول الله عليه وسلم يصدع بأمر الله تعالى، وينشر دعوته، ويحذر الناس من عبادة الأوثان، ولما لم يطيقوا الصبر على هذا الحال عادوا إلى أبي طالب وقالوا له: إنا قد طلبنا منك أن تنهي ابن أخيك فلم ينته عنا، وإنا لا نصبر على هذا الحال من تسفيه عقولنا وعيب آلهتنا وتضليل آبائنا، فإما أن تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، فعظم الأمر على أبي طالب، ولم ترق لديه عداوة قومه ولا خذلان ابن أخيه، وكلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: والله ياعم لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه. فقال أبو طالب: اذهب فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.

ثم رأى أبو طالب أن يجمع بني هاشم وبني المطلب ليكونوا معه على حماية ابن أخيه؛ فأجابوه لذلك إلا أبا لهب فإنه فارقهم وانضم إلى بقية كفار قريش.

ولما رأت قريش تصميم أبي طالب على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق بني هاشم وبني المطلب معه في ذلك؛ وكان وقت الحج قد قرب وخافوا من تأثير دعوته في أنفس العرب الوافدين لزيارة الكعبة فتزداد قوته وتنتشر دعوته؛ اجتمعوا وتداولوا فيما يصنعون في مقاومة ذلك، فقال قائل منهم: نقول كاهن، فقيل: ما هو بكاهن وما هو بحالة الكهان، فقيل: نقول مجنون، فقيل: ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما حالته كحالة المجانين، فقيل: نقول هو شاعر، فقيل: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر بأنواعه فما هو بالشعر، فقيل: نقول ساحر، فقيل: لقد رأينا السحرة فما حالته كحالتهم.

ثم اتفقوا على أن يذيعوا بين الوافدين إلى مكة من العرب أنه ساحر جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه؛ وبين المرء وأخيه؛ وبين المرء وزوجه؛ وبين المرء وعشيرته، وصاروا يجلسون بالطرق حين جاء موسم الحج، فلا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا له أمره.

ولقد كان ذلك سبباً في شيوع دعوته صلى الله عليه وسلم وذكر اسمه في بلاد العرب كلها.

(يتبع)

الصفحة التالية الصفحة السابقة


--------------------------------------------------------------------------------

C:\Documents and Settings\Administrator\Local Settings\Temp\Rar$DI00.531\ص 1.mht

C:\Documents and Settings\Administrator\Local Settings\Temp\Rar$DI00.531\ص 1.mht
اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ

السيرة النبوية العطرة

جديد الموقع: حلقات جديدة من لمسات بيانية مع الدكتور فاضل صالح السامرائي - حلقات جديدة من الكلمة وأخواتها - برنامج سحر القرآن، من أي زمرة أنت، في رحاب آية، زك صيامك على صفحة برامج رمضانية - حلقات برنامج الرحمن علّم القرآن للدكتور محمد هداية - محاضرات جديدة في صفحة محاضرات - حلقات جديدة من طريق الهداية









































































علِّم نفسك السيرة النبوية

نسب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه وأمه

هو سيدنا ونبينا محمد سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيِّ بن حكيم بن مُرّة بن كعب بن لُؤيِّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدِّ بن عَدْنان.

هذا هو النسب المتفق على صحته، كما اتفقوا على أن النسب المحمدي الشريف يتصل بسيدنا إسماعيل بن سيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ولكن سلسلة النسب بين عدنان وسيدنا إسماعيل عليه السلام لم يثبت علمها من طريق صحيح.

فالجد الأول للنبي صلى الله عليه وسلم هو عبد المطلب بن هاشم وكان شيخاً معظماً في قريش يحترمونه ويرجعون إليه في مهمات أمورهم.

وأمه صلى الله عليه وسلم هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم ابن مرة الذي هو الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه.

مما سبق تعلم أن أباه وأمه صلى الله عليه وسلم من أصل واحد، وأنهما يجتمعان في حكيم بن مرة (وكان يسمى كلابا)، وأن عبد مناف بن زهرة الذي هو الجد الثاني للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أمه غير عبد مناف الجد الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه.

ومن جدودهما فهر الذي هو (قريش)، وهو عاشر أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، وإليه تنسب أمة قريش كلها، وقد تفرعت منه اثنتا عشرة قبيلة سميت باسمه، منهم بنو عبد مناف الذي هو الجد الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم من صميم قريش المشهود لهم بالشرف ورفعة الشأن بين العرب.

وأجداده من جهة أبيه وأمه كلهم سادة كرام، وكل اجتماع بين أجداده وزوجاتهم كان شرعياً بحسب الأصول العربية، فلم يكن في نسبه الشريف شيء من سفاح الجاهلية فهو نسب شريف طاهر من آباء طاهرين وأمهات طاهرات والحمد لله رب العالمين.

مولده صلى الله عليه وسلم

تزوج عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم؛ وعمره ثماني عشرة سنة ، وهي يومئذ من أفضل نساء قريش نسباً وأكرمهم خلقاً. ولما دخل بها حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسافر والده عبد الله عقب ذلك بتجارة له إلى الشام فأدركته الوفاة بالمدينة (يثرب) وهو راجع من الشام ، ودفن بها عند أخواله بني عدى بن النجار، وكان ذلك بعد شهرين من حمل أمه آمنة به صلى الله عليه وسلم.

وقد توفي والد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يترك من المال إلا خمساً من الإبل وأمَته (أم أيمن).

ولما تمت مدة الحمل ولدته صلى الله عليه وسلم بمكة المشرفة في اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل، الذي يوافق سنة 571 من ميلاد المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وهو العام الذي أغار فيه ملك الحبشة على مكة بجيش تتقدمه الفيلة قاصداً هدم الكعبة (البيت الحرام) فأهلكهم الله تعالى.

كانت ولادته صلى الله عليه وسلم في دار عمه أبي طالب في شِعْب بني هاشم، أي مساكنهم المجتمعة في بقعة واحدة، وسماه جده عبد المطلب (محمداً) ولم يكن هذا الاسم شائعاً إذ ذاك عند العرب ولكن الله تعالى ألهمه إياه فوافق ذلك ما جاء في التوراة من البشارة بالنبي الذي يأتي من بعد عيسى عليه الصلاة والسلام مسمى بهذا الاسم الشريف، لأنه قد جاء في التوراة ما هو صريح في البشارة بنبي تنطبق أوصافه تمام الانطباق على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: مسمى، أو موصوفا بعبارة ترجمتها هذا الاسم، كما جاءت البشارة به صلى الله عليه وسلم على لسان عيسى عليه الصلاة والسلام باسمه أحمد، وقد سمى بأحمد كما سمى بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وكانت قابلته صلى الله عليه وسلم الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف وحاضنته أم أيمن بركة الحبشية أَمَة أبيه عبد الله، وقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وُلد مختوناً، وورد أيضا أن جده عبد المطلب ختنه يوم السابع من ولادته الذي سماه فيه..

رضاعه صلى الله عليه وسلم

أرضعته صلى الله عليه وسلم أمه عقب الولادة، ثم أرضعته ثويبة أَمَة عمه أبي لهب أياماً، ثم جاء إلى مكة نسوة من البادية يطلبن أطفالاً يرضعنهم ابتغاء المعروف من آباء الرضعاء على حسب عادة أشراف العرب، فإنهم كانوا يدفعون بأولادهم إلى نساء البادية يرضعنهم هناك حتى يتربوا على النجابة والشهامة وقوة العزيمة، فاختيرت لإرضاعه صلى الله عليه وسلم من بين هؤلاء النسوة (حليمة) بنت أبي ذؤيب السعدية؛ من بني سعد بن بكر من قبيلة هوازن التي كانت منازلهم بالبادية بالقرب من مكة المكرمة، فأخذته معها بعد أن استشارت زوجها (أبو كبشة) الذي رجا أن يجعل الله لهم فيه بركة، فحقق الله تعالى رجاءه وبدل عسرهم يسراً، فَدَرَّ ثديها بعد أن كان لبنها لا يكفي ولدها ، ودَرَّت ناقتهم حتى أشبعتهم جميعاً بعد أن كانت لا تغنيهم ، وبعد أن وصلوا إلى أرضهم كانت غنمهم تأتيهم شباعاً غزيرة اللبن مع أن أرضهم كانت مجدبة في تلك السنة، واستمروا في خيروبركة مدة وجوده صلى الله عليه وسلم بينهم.

ولما كمل له سنتان فصلته حليمة من الرضاع، ثم أتت به إلى جده وأمه وكلمتهما في رجوعها به وإبقائه عندها فأذنا لها بذلك.

حادثة شق صدره صلى الله عليه وسلم

بعد عودة حليمة السعدية به صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ديار بني سعد بأشهر، بعث الله تعالى مَلَكين لشق صدره الشريف وتطهيره، فوجداه صلى الله عليه وسلم مع أخيه من الرضاع خلف البيوت، فأضجعاه وشقا صدره الشريف وطهراه من حظ الشيطان، وكان ذلك الشق بدون مدية ولا آلة بل كان بحالة من خوارق العادة ، ثم أطبقاه، فذهب ذلك الأخ إلى أمه حليمة وأبلغها الخبر، فخرجت إليه هي وزوجها فوجداه صلى الله عليه وسلم منتقع اللون من آثار الروع ، فالتزمته حليمة والتزمه زوجها حتى ذهب عنه الروع ، فقص عليهما القصة كما أخبرهما أخوه. وقد أحدثت هذه الحادثة عند حليمة وزوجها خوفاً عليه، ومما زادها خوفاً أن جماعة من نصارى الحبش كانوا رأوه معها فطلبوه منها ليذهبوا به إلى ملكهم، فخشيت عليه من بقائه عندها، فعادت به صلى الله عليه وسلم إلى أمه وأخبرتها الخبر، وتركته عندها مع ما كانت عليه من الحرص على بقائه معها.

وفاة أمه صلى الله عليه وسلم وكفالة جده وعمه له

بعد أن عادت حليمة السعدية به صلى الله عليه وسلم إلى أمه - وكان إذ ذاك في السنة الرابعة من عمره الشريف - بقى مع أمه وجده عبد المطلب بن هاشم بمكة في حفظ الله تعالى، ينبته الله نباتاً حسناً ، ثم سافرت به أمه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة لزيارة أخواله هناك من بني عدى بن النجار ، فتوفيت وهي راجعة به من المدينة إلى مكة بجهة (الأبواء) بالقرب من المدينة ودفنت هناك، فقامت به إلى مكة حاضنته أم أيمن وقد بلغ من العمر يومئذ ست سنين، ولما وصلت إلى مكة كفله جده عبد المطلب بن هاشم، وحن إليه حناناً زائداً وعطف عليه عطفاً بليغاً، حتى توفي عبد المطلب وعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين.

وكان جده عبد المطلب يوصي به عمه أبا طالب -الذي هو الأخ الشقيق لأبيه- فلما مات عبد المطلب كان صلى الله عليه وسلم في كفالة عمه أبي طالب يشب على محاسن الأخلاق، متباعداً عن صغائر الأمور التي يشتغل بها الصبيان عادة ، وقد بارك الله تعالى لأبي طالب في الرزق مدة وجوده صلى الله عليه وسلم في كفالته وفي وسط عياله.

سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام

لما أراد أبو طالب أن يسافر إلى الشام في تجارة له رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرافقه، فأخذه معه وسنه إذ ذاك اثنتا عشرة سنة ، ولما وصلوا بصرى وهي أول بلاد الشام من جهة بلاد العرب قابلهم بها راهب من رهبان النصارى اسمه (بحيرا) – كان يقيم في صومعة له هناك – فسألهم عن ظهور نبي من العرب في هذا الزمن، ثم لما أمعن النظر في النبي صلى الله عليه وسلم وحادثه عرف أنه النبي العربي الذي بشر به موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وقال لعمه أنه سيكون لهذا الغلام شأن عظيم، فارجع به واحذر عليه من اليهود ، فلم يمكث أبو طالب في رحلته هذه طويلاً بل عاد به إلى مكة حين فرغ من تجارته، وبقى صلى الله عليه وسلم في مكة مثال الكمال، محفوظاً من معايب أخلاق الجاهلية، شهماً شجاعاً حتى إنه حضر مع أعمامه حرب (الفجار) و (حلف الفضول)، وسنه إذ ذاك عشرون سنة.

أما (الفجار) فهي حرب كانت بين قبيلة كنانة ومعها حليفتها قريش وبين قبيلة قيس، وقد ابتدأت هذه الحرب فيما بين مكة والطائف ووصلت إلى الكعبة، فاستحلت حرمات هذا البيت الذي كان مقدساً عند العرب ولذلك سميت حرب (الفجار).

وأما (حلف الفضول) كان عقب هذه الحرب، وهو تعاقد بطون قريش على أن ينصروا كل من يجدونه مظلوماً بمكة سواء كان من أهلها أو من غير أهلها.

رحلته إلى الشام مرة ثانية في تجارة لخديجة بنت خويلد

كان طريق الكسب في قريش هي التجارة، وكانت خديجة بنت خويلد من بني أسد بن عبد العزى بن قصي سيدة ذات مال، تتاجر في مالها بطريق المضاربة مع من تثق بهم من الرجال ، فلما سمعت بأمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه حتى اشتهر بين قومه باسم (الأمين) بعثت إليه، وعرضت عليه أن يسافر بمال لها إلى الشام وتعطيه من الربح أكثر مما كانت تعطى غيره، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسافر مع غلامها ( أى مملوكها) ميسرة فباع واشترى وعاد بربح عظيم.

وقد شاهد ميسرة في هذه الرحلة كثيراً من بركات النبي صلى الله عليه وسلم وإكرام الله تعالى له، فإنه صلى الله عليه وسلم لما قدم الشام نزل في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب هناك، فقال هذا الراهب لميسرة أنه ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، وكان ميسرة يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مظللاً من حر الشمس وهو يسير على بعير بدون أن تكون معه مظلة.

زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة بنت خويلد

لما قدم ميسرة إلى سيدته خديجة الحازمة اللبيبة، وأخبرها بما شاهده من بركات النبي صلى الله عليه وسلم وإكرام الله تعالى له، بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت له: يا ابن عم، إني قد رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وصدق حديثك، وقد خاطبته بابن العم على عادة العرب من تخاطب الأقرباء من جهة الأبوة بابن العم، حيث يجتمع أصولهما في (قصي) فإنها من بني أسد بن عبد العزى بن قصي، وكانت خديجة قد ذكرت ما سمعت من غلامها ميسرة لابن عمها ورقة بن نوفل -من المتتبعين للكتب والأخبار- فكان يقول لها: يا خديجة إن محمداً لنبي هذه الأمة، وقد عرفت أنه كان لهذه الأمة نبي يُنتظر، هذا زمانه.

وكانت خديجة مرغوبا فيها لشرف نسبها ورفعة قدرها بين قومها، فعرض النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على أعمامه فوافقوه على زواجه صلى الله عليه وسلم، بها وتوجهوا معه إليها، وأتموا عقد الزواج بينهما ، وتولاه عنها عمها (عمرو بن أسد)، كما تولاه عن النبي صلى الله عليه وسلم عمه (أبو طالب) ، وكان صداقها عشرين بِكْرة ، وكان سن السيدة خديجة أربعين سنة وسنه صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة ، ولم يتزوج عليها النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفيت رضى الله عنها، وكانت متزوجة قبله صلى الله عليه وسلم برجل اسمه (هند)، ولدت منه ولداً اسمه (هالة)، فكان ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد مكث صلى الله عليه وسلم بعد زواجه بالسيدة خديجة يشتغل بالتجارة والتنسك، حتى بعثه الله رحمة للعالمين.

شهوده صلى الله عليه وسلم بناء الكعبة

الكعبة هي أول بيت وضع في الأرض للعبادة، وقد بناها سيدنا إبراهيم الخليل مع ولده سيدنا إسماعيل عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ثم جُدد بناؤها من بعده ثلاث مرات، وكان بناؤها من الصخر وارتفاعها فوق القامة.

ويقال أن أول من بناها سيدنا آدم أبو البشر عليه الصلاة والسلام، وقد وصلوا في نقض أنقاضها إلى أساس سيدنا إسماعيل عليه الصلاة والسلام، ويقال أنهم وجدوا هناك صحافا منقوشا فيها كثير من الحكم تذكرة للمتأخرين، وقد تحرى أشراف قريش أن تكون نفقة بنائها من طيب أموالهم؛ فكانوا لا يدخلون في نفقتها مهر بغى ولا مال ربا، ولما ضاقت بهم النفقة الطيبة عن إتمامها على قواعد سيدنا إبراهيم عليه السلام أخرجوا منها الحجر، وبنوا عليه جدارا قصيراً علامة على أنه منها.

وعندما بلغ سن النبي صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة، اتفق أن نزل سيل عظيم بمكة أثر في جدران الكعبة فأوهنها -على ما كانت عليه من الضعف بسبب حريق أصابها من قبل، فاجتمعت قبائل قريش وشرعوا في هدمها وبنائها بناء مرتفعاً، وكان الأشراف منهم يتسابقون في نقل الحجارة وحملها على أعناقهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يحمل الحجارة وينقلها الى مكان البناء، مع عمه العباس رضى الله عنه.

بنيت الكعبة حينئذ بارتفاع ثماني عشر ذراعا، بحيث يزيد عن أصله تسعة أذرع، وقد رفع الباب بحيث لايصعد إليه إلا بدَرَج. و لما تم بناء الكعبةوأرادت قريش وضع الحجر الأسود في موضعه، اختلف أشرافهم فيمن يضعه، وظلوا مختلفين أربعة أيام، فأشار عليهم أبو أمية الوليد بن المغيرة - وهو أكبرهم سنا - بأن يحكِّموا بينهم من يرضون بحكمه، فاتفقوا على أن يكون الحكم لأول قادم من باب الصفا. فكان أول داخل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتاحوا جميعا لما يعهدونه من أمانته وحكمته وصدقه وإخلاصه للحق، وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد، فلما وصل إليهم وأخبروه الخبر بسط رداءه، وتناول الحجر فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بطرف من الرداء ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا حتى وصلوا به إلى موضعه؛ فوضعه فيه بيده صلى الله عليه وسلم، وبذلك انتهت هذه المشكلة التي كادت تؤدى إلى الحرب والقتال فيما بينهم.

سيرته صلى الله عليه وسلم في قومه قبل النبوة

قد علمت أن الله تعالى قد أكرم آل حليمة السعدية التي أرضعته صلى الله عليه وسلم، فبدل عسرهم يسراً وأشبع غنيماتهم وأدر ضروعها في سنة الجدب والشدة، كما بارك سبحانه وتعالى في رزق عمه أبي طالب حينما كان في كفالته، مع ضيق ذات يده، وأنه سبحانه وتعالى كان يسخر له الغمامة تظله وحده من حر الشمس في سفره إلى الشام، فتسير معه أنى سار دون غيره من أفراد القافلة.

وكان سبحانه وتعالى يلهمه الحق ويرشده الى المكارم والفضائل في أموره كلها، حتى إنه كان إذا خرج لقضاء الحاجة في صغره بَعُدَ عن الناس حتى لا يُرى.

وكان سبحانه وتعالى يكرمه بتسليم الأحجار والأشجار عليه، ويُسمعه ذلك فيلتفت عن يمينه وشماله فلا يرى أحداً.

وقد كان علماء اليهود والنصارى - رهبانهم وكهنتهم- يعرفون زمن مجيئه صلى الله عليه وسلم مما جاء من أوصافه في التوراة وما أخبر به المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فكانوا يسألون عن مولده وظهوره وقد عرفه كثيرون منهم لما رأوا ذاته الشريفة أو سمعوا بأوصافه وأحواله صلى الله عليه وسلم.

وقد نشأ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ممتازاً بكمال الأخلاق، متباعداً في صغره عن السفاسف التي يشتغل بها أمثاله في السن عادة، حتى بلغ مبلغ الرجال فكان أرجح الناس عقلاً، وأصحهم رأياً، وأعظمهم مروءة، وأصدقهم حديثاً، وأكبرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش، وقد لقبه قومه (بالأمين)، وكانوا يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم.

وقد حفظه الله تعالى منذ نشأته من قبيح أحوال الجاهلية، وبَغَّض إليه أوثانهم حتى إنه من صغره كان لا يحلف بها ولا يحترمها ولا يحضر لها عيداً أو احتفالاً، وكان لا يأكل ما ذبح على النُّصُب، و النصب هي حجارة كانوا ينصبونها ويصبون عليها دم الذبائح ويعبدونها.

ولقد كان صلى الله عليه وسلم لين الجانب يحن إلى المسكين، ولا يحقر فقيراً لفقره، ولايهاب ملكا لملكه، ولم يكن يشرب الخمر مع شيوع ذلك في قومه، ولا يزنى ولا يسرق ولا يقتل، بل كان ملتزما لمكارم الأخلاق التي أساسها الصدق والأمانة والوفاء.

وبالجملة حفظه الله تعالى من النقائص والأدناس قبل النبوة كما عصمه منها بعد النبوة.

وكان يلبس العمامة والقميص والسراويل، ويتزر ويرتدى بأكيسة من القطن، وربما لبس الصوف والكتان، ولبس الخف والنعال وربما مشى بدونها. وركب الخيل والبغال والإبل والحمير. وكان ينام على الفراش تارة وعلى الحصير تارة وعلى السرير تارة وعلى الأرض تارة، ويجلس على الأرض، ويخصف نعله، (أي يخرزها ويصلحها) ويرقع ثوبه، وقد اتخذ من الغنم والرقيق من الإماء والعبيد بقدر الحاجة. وكان من هديه في الطعام ألا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقوداً.

معيشته صلى الله عليه وسلم قبل النبوة

محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم كان جده هاشم كبير قريش وسيدها، وكانت قريش أشرف قبائل العرب، وكانت إقامتهم بمكة وضواحيها، وكانت معيشتهم من التجارة في الثياب والبز (متاع البيت من جنس الثياب) وما يحتاجه العرب، وكان لهم رحلتان تجاريتان إلى الشام إحداهما في الصيف والأخرى في الشتاء، وكان أكثر ما يقتنون من النَّعم الإبل والغنم للانتفاع بظهورها وألبانها وأصوافها وأوبارها. فلما بلغ سناًّ يمكنه فيه أن يعمل عملا كان ينفق على نفسه من عمل يده، وقد كانت فاتحة عمله رعاية الغنم، كما هي سنة الله تعالى في أنبيائه وأصفيائه؛ لتدريبهم على رعاية الخلق بالرفق الذي تستدعيه هذه الرعاية، فكان ينفق من أجرة رعايته، ثم كان يتجر فيما كانت تتجر فيه قريش وينفق من كسب تجارته. وفي كل ذلك كان يعمل على قدر الحاجة، لا مستكثراً من الدنيا ولا تاركا لها تركا كلياًّ، ليهيئه الله تعالى لما أراده سبحانه منه من التفرغ للدعوة إلى دينه القويم.

تعبده صلى الله عليه وسلم قبل البعثة

كان من العرب قبل الإسلام من ينتمي إلى دين اليهودية، ومنهم من يدين بالنصرانية- على ما فيهما من تغيير وتحريف، والباقون عبدة أصنام وأوثان، وكان على ذلك عامة قريش إلا نفرا قليلا منهم كانوا يعيبون على قومهم عبادة هذه التماثيل.

وقد فُطر سيدنا محمد بن عبد الله - صلوات الله عليه وسلامه- على طهارة القلب وزكاء النفس. فطره الله تعالى على ذلك ليكون على تمام الصلاحية لتلقى شريعته المطهرة وإيصالها إلى الخلق على أتم وجه وأكمله.

فلذلك كانت نفسه الكريمة مجبولة على ما هو الحق، لا تعرف غيره، ولا تقبل سواه، فكان يأنف عن الباطل بطبعه ويألف الحق بسجيته، فلم يحكم عليه شيء من عادات قومه: لا في تحسين باطل ممقوت، ولا في تقبيح حق مقبول.

ولقد كانت تلك فطرة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي فُطر عليها قبل نبوته؛ كما كان ذلك شأن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: يفطرون على الإقبال على الله تعالى، وتنصرف هممهم وأنفسهم الزكية قبل نبوتهم عما يكون عليه أقوامهم من باطل العقائد وفاسد العادات والتعبدات.

نشأ صلى الله عليه وسلم مقبلا على الله تعالى بقلبه، خالصاً لله تعالى، حنيفا لم يحم الشرك حول قلبه الكريم، فكان بأصل فطرته مبغضاً لهذه الأوثان، نافراً من هذه المعبودات الباطلة، فلم يكن يحضر لها عيدا ولا يتقرب إليها ولايحفل بها، وإنما كان يعبد خالق الكون وحده، مقبلا عليه سبحانه بما هو مظهر العبودية والإخلاص من تفكير وتمجيد.

وكان يطوف بالكعبة ويحج كما كان الناس يحجون اتباعاً لملة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولم يثبت من طريق صحيح التزامه التعبد على شريعة أحد من الأنبياء السابقين صلوات الله عليهم أجمعين.

والذي ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يختلى في غار حراء من كل سنة شهر(وكان يوافق ذلك شهر رمضان)، يعبد الله تعالى بالتفكر، ويطعم المساكين مما كان يتزود به في مدة خلوته (وروى أنه كان يتزود الكعك والزيت، وكان كلما فرغ زاده رجع الى أهله فتزود وعاد)، وكان إذا انتهي من خلوته ينصرف إلى الكعبة فيطوف بها سبعاً أو ماشاء الله من ذلك قبل أن يرجع إلى بيته.

ويسمى حراء: جبل النور، وهو على يسار السالك إلى عرفة، وبه ذلك الغار الذي كان يتعبد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ضيق المدخل، ومساحته من الداخل تقرب من ثلاثة أمتار، وبه نزل الوحي عليه صلى الله عليه وسلم لأول مرة كما سيجيء، ويقال أن جده عبد المطلب كان يتعبد في حراء، ثم تبعه في ذلك من كان يتعبد منهم كورقة بن نوفل وأبي أمية بن العزى.

وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب العزلة والخلوة من زمن طفولته إلى أن بعثه الله تعالى رحمة للعالمين.

وقبيل مبعثه كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، أي واضحة وصريحة كوضوح ضوء الصباح وإنارته، أى أنها تتحقق في اليقظة مثل ما يراها في المنام، فكان ذلك مقدمة لنبوته صلى الله عليه وسلم.

(يتبع)

الصفحة التالية

موقع عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من عدد من المشايخ الأفاضل

الرحيق المختوم

سيرة النــبى العطرة ب 10 لغات غير العربية لمن يريد الدعوه عالميا


--------------------------------------------------------------------------------

من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم

من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم



ما جاء في تكثير النبي صلى الله عليه و سلم للماء

ما جاء في سلام حَجَر عليه صلى الله عليه و سلم

ما ظهر في كفه الشريف صلى الله عليه و سلم من الآيات

ما جاء في صوته صلى الله عليه و سلم من الآيات

تلبية عِرق شجرة لنداء النبي صلى الله عليه و سلم و إقباله عليه

ما جاء في انشقاق القمر له صلى الله عليه و سلم

ما جاء في حماية الملائكة الكرام له و الذَّب عنه

إضاءة المدينة المنورة لقدومه عليه الصلاة و السلام و ظلامها لموته

اهتزاز جبل أحد طرباً و وجداً للنبي صلى الله عليه و سلم

حنين جذع النخلة إليه صلى الله عليه و سلم

مخاطبته صلى الله عليه و سلم لقتلى بدر

سماعه صلى الله عليه و سلم لأهل القبور يتعذبون

رميه صلى الله عليه و سلم الحصى في وجوه المشركين

طيب ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من الآيات

ما ظهر من الآيات في شعره صلى الله عليه وسلم

عرقه صلى الله عليه وسلم وطيب رائحته وما فيهما من الآيات





المعجزة هي أمر خارق للعادة يظهر على يد مدَّعي النبوة موافقاً لدعواه، على وجه يعجِز المنكِرين الإتيان بمِثلِه. والحكمة في إظهار المعجزة على أيدي الأنبياء الدلالة على صدقهم فيما ادَّعوه، إذ كل دعوى لم تقترن بدليل فهي غير مسموعة، والتمييز بينهم (أي بين الأنبياء) وبين من يدَّعي النبوّة كاذباً ؛ وهي قائمة مقام قول الله تعالى: "صدَق عبدي فيما يدَّعي ".

وفي ما يلي أبرز المعجزات التي أيَّد الله سبحانه وتعالى رسوله المصطفى المختار صلوات الله وسلامه عليه:



ما جاء في تكثير النبي صلى الله عليه و سلم للماء:

عن عبد الله بن مسعود قال: " كنا نَعُد الآيات بَركة، و أنتم تَعُدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقَلَّ الماء، قال عليه الصلاة والسلام: اطلبوا لي فضلة من ماء. فأدخَل يده في الإناء وقال: حَيّ على الطَّهور المبارك، والبركة من الله. ويقول ابن مسعود: لقد رأيتُ الماء ينبع من بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم، و لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل "، رواه البخاري.

ما جاء في سلام حَجَر عليه صلى الله عليه و سلم:

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: " إنّي لأعرف حجراً بمكة كان يُسَلِّم عليّ قبل أن أبعث، إنّي لأعرفه الآن "، قيل الحجر الأسود وقيل غيره، رواه مسلم و الترمذي.

وقال عبد الله بن مسعود: " كنت أمشي في مكة فأرى حجراً أعرفه ما مرَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلا وسمعته بأذني يقول السلام عليك يا رسول الله ".

ما ظهر في كفه الشريف صلى الله عليه و سلم من الآيات :

عن أبي زيد بن أخطب رضي الله عنه قال : "مسح رسول الله صلى الله عليه و سلم على وجهي و دعا لي ".

قال عزرة أنَّه عاش مئة و عشرين سنة وليس في رأسه إلا شعيرات بيض، رواه الترمذي وحسنه الحاكم و وافقه الذهبي.

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " كان الصبيان يمرون بالنبي صلى الله عليه وسلم فمنهم من يمسح خده ومنهم من يمسح خديه فمررت به فمسح خدي فكان الخد الذي مسحه النبي صلى الله عليه وسلم أحسن من الخد الآخر"، أخرجه الطبراني وأصله في صحيح مسلم.

عن أبي ذر رضي الله عنه قال :" إني لشاهد عند رسول الله في حلقة وفي يده حصى فسبحن في يده وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فسمع تسبيحهن من في الحلقة ". أخرجه الطبراني في الأوسط مجمع البحرين، والبزار واسناد الطبراني صحيح رجاله ثقات .

ولله در الشيخ جمال الدين أبو زكريا يحى بن يوسف الصرصري حيث قال في قصيدة له

لئن سبحت صـم لجبال مجيبــه لداود أو لان الحديد المصفـح

فإن الصخور الصُـــمَّ لانت بكفه و إن الحصا في كفـه ليسبِّـح

وإن كان موسى أنبع الماء من العصـا فمن كفه قد أصبح الماء يطفـح



· ما جاء في صوته صلى الله عليه وسلم من الآيات :

عن عبد الرحمن بن معاذ رضي الله عنه قال :"خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و نحن بمنى، فَفُتِحَت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول و نحن في منازلنا و كنا جموع قريب من مئة ألف "، أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد ..

· تلبية عِرق شجرة لنداء النبي صلى الله عليه و سلم و إقباله عليه :

عن ابن عباس رضي الله عنه قال :"جاء رجل من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كان يداوي و يعالج، فقال له : يا محمد إنك تقول أشياء، فهل لك أن أداويك ؟ قال فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال له : هل لك أن أداويك ؟ قال : إيه . و عنده نخل و شجر، قال فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عِرقاً منها، فأقبل إليه و هو يسجد و يرفع و يسجد حتى انتهى (أي وصل إليه)، فأمره النبي عليه الصلاة و السلام قائلاً : ارجع إلى مكانك فرجع إلى مكانه، فقال الرجل : و الله لا أكذِّبك بشيء تقوله بعدها أبدا !" .

· ما جاء في انشقاق القمر له صلى الله عليه و سلم :

عن أنس رضي الله عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يُريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين . قال الخطابي : انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء و ذلك أنه ظهر في ملكوت السماوات خارجاً عن جل طباع ما في هذا العالم المُرَكَّب من الطبائع .. قال تعالى :{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1] .

و عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : " انفلق القمر و نحن مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فصار فلقتين : فلقة من وراء الجبل و فلقة دونه . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اشهدوا " .

· ما جاء في حماية الملائكة الكرام له و الذَّب عنه :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ ( أي هل يصلي جهارة أمامكم )، فقيل : نعم . فقال : و اللات و العزى لئِن رأيته يفعل ذلك لأطَأنَّ على رقبته أو لأعَفِرَنَّ وجهه في التراب . فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يصلي لِيَطأ على رقبته، فما فاجأهم منه إلا و هو ينكص على عقبيه، و أخذ يقي وجهه بيديه، فقيل له : ما لك ؟ قال : إن بيني و بينه خندقاً من نار و هَولاً و أجنحة ‍‍‍!!!. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضوا . و أنزل الله تعالى : {كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى} [العلق: 6] إلى آخر السورة .



· إضاءة المدينة المنورة لقدومه عليه الصلاة و السلام و ظلامها لموته :

عن أنس رضي الله عنه قال : " لمَّا كان اليوم الذي قَدِم فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة، أضاء منها كل شيء، فلمَّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء . و قال : ما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الأيدي حتى أنكرْنا قلوبنا "، (أي فقدنا أنوار قلوبنا التي كنا نشعر بها، ورسول الله صلى الله عليه و سلم فينا) .



· اهتزاز جبل أحد طرباً و وجداً للنبي صلى الله عليه و سلم :

هل سمع أحدنا أنَّ الجماد أحبّ ؟ أن يحب أحد الجدار لجماله أمر معقول و لكن أن ينطق الجدار بحبِّه لفلان فهذا أمر غريب !!. يقول سيدنا علي رضي الله عنه : بعد غزوة أُحُد ابتعد كثير من المسلمين عن جبل أُحُد لأنه استشهد في سفحه و سهله سبعون من خيار الصحابة، و ذهب رسول الله صلى الله عليه و سلم فوقف يوماً على أُحُد و صلى على شهداء أُحُد و معه أبو بكر و عمر و عثمان و في رواية عمر و علي . و بينما نحن على أُحُد إذ بأُحُد يهتز و إذا بالرسول يبتسم و يرفع قدمه الطاهرة و يضربها على الجبل و يقول : اثبت. لِما اهتز الجبل يا ترى و لِما ثبت بعد الضربة ؟ . فالجبل حينما شعر أن قَدَم الحبيب محمد صلى الله عليه و سلم مسَّته راح يرتجف من الطرب ولله درّ القائل .

لا تلوموا اُحداً لاضطراب إذ علاه فالوجد داءُ

أُحد لا يلام فهـو محبٌ ولكم أطرب المحب لقاءُ



· حنين جذع النخلة إليه صلى الله عليه و سلم :

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب على جذع، فلمَّا صُنِع له منبراً ترك الجذع و صعد المنبر و راح يخطب، فإذا بالجذع يئن أنيناً يسمعه أهل المسجد جميعاً، فنزل من على خطبته و قطعها و ضمّ الجذع إلى صدره و قال : هدأ جذع، هدأ جذع، إن أردتَ أن أغرسك فتعود أخضراً يؤكل منك إلى يوم القيامة أو أدفنك فتكون رفيقي في الآخرة . فقال الجذع : بل ادفني و أكون معك في الآخرة " .

يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : "حينما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم كنا نقول : يا رسول الله إنَّ جذعاً كنتً تخطب عليه فترَكتَه فَحَنَّ إليك، كيف حين تركتنا لا تحنّ القلوب إليك ؟ .

· مخاطبته صلى الله عليه و سلم لقتلى بدر :

عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ليلة بدر : " هذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غداً و وضع يده على الأرض، هذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غداً و وضع يده على الأرض، فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا تلك الحدود، جعلوا يُصرعون عليها، ثم أُلقوا في القليب و جاء النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا فلان بن فلان و يا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعد الله حقاً ؟ قالوا :يا رسول الله تكلم أجساداً لا أرواح فيها ؟! فقال : ما أنتم بأسمع منهم و لكنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ " .

فائدة : سُئل السبكي عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي صلى الله عليه و سلم مع أنّ جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه (لقد أُهلِكت مدائن لوط بريشة من جناح جبريل)، فأجاب بأنّ ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه و تكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش و دعاية لصورة الأسباب و سُنّتها التي أجراها الله في عباده .







· سماعه صلى الله عليه و سلم لأهل القبور يتعذبون :

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :" بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يمشيان بالبقيع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال تسمع ما أسمع ؟ قال : لا والله يا رسول الله ما أسمعه قال : ألا تسمع أهل القبور يعذبون "، أخرجه الحاكم وقال ( صحيح على شرط الشيخين ) ووافقه الذهبي .

· رميه صلى الله عليه و سلم الحصى في وجوه المشركين :

عن إياس بن سلمة حدثني أبي قال : " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حُنَيناً ( إلى أن قال ) ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته الشهباء .. فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال : شاهدت الوجوه فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة فولوا مدبرين "، أخرجه مسلم .

عن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ كفاً من الحصباء فاستقبلنا به فرمانا بها وقال : " شاهت الوجوه " فانهزمنا، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، أخرجه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي في المجمع اسناد حسن .

· طيب ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من الآيات :

قال الزيال : لقد رأيت حنظلة يؤتى بالرجل الوارم وجهه أو الشاة الوارم ضرعها فيقول : بسم الله موضع كف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمسحه فيذهب الورم .

عن أم موسى قالت: سمعت علياً يقول : " ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية "، أخرجه أحمد وأبو يعلى وقال الهيثمي : رجالهما رجال الصحيح غير أم موسى وحديثهما مستقيم .

عن يزيد بن أبي عبيد قال : " رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت : يا أبا مسلم ما هذه الضربة ؟ : هذه ضربة أصابتها يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة ... فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيت حتى الساعة "، أخرجه البخاري .

وروى عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده قال : " أصيبت عين أبي ذر يوم أحد فبزق فيها النبي صلى الله عليه وسلم فكانت أصح عينيه "، أخرجه البخاري .

· ما ظهر من الآيات في شعره صلى الله عليه وسلم :

عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال : قال خالد بن الوليد : " اعتمرنا مع النبي صلى عليه وسلم في عمرة اعتمرها فحلق شعره فاستبق الناس إلى شعره فسبقت إلى الناصية فجعلتها في مقدم هذه القلنسوة فلم أشهد قتالاً وهي معي إلا رزقت النصر"، أخرجه أبو يعلى والحاكم وقال الهيثمي في المجمع رواه الطبراني وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح .

عن عبد الله بن وهب قال : " أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قُصة فيها شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان إذا أصاب الإنسان عن أو شيء بعث إليها مخضبة، فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حُمر "، أخرجه البخاري في صحيحه قال الحافظ في الفتح : المراد أنه كان من أشتكى أرسل أناء إلى أم سلمة فتجعل فيه تلك الشعرات تغسلها فيه وتعيده فيشربه صاحب الإناء أو يغتسل به استشفاء بها فتحصل له بركتها .

ويوجد بعض شعرات النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الكبير في طرابلس في لبنان عُهد بها لرجل فاضل من آل الميقاتي يخرجها في آخر يوم جمعة من رمضان في كل سنة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الجمعة .

· عرقه صلى الله عليه وسلم وطيب رائحته وما فيهما من الآيات :

قالت عائشة رضي الله عنها : " كان عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه مثل اللؤلؤ أطيب من المسك الأذفر، وكان كفه كف عطار طيباً مسها بطيب أو لم يمسها يصافحه المصافح فيظل يومه يجد ريحها ويضعها على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان من ريحها على رأسه "، أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة والبيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق وابن أبي خيثمة في تاريخه و أخرجه أبو يعلى والبزار وذكره الحافظ في الفتح وقال اسناده صحيح .

عن ليلى مولاة عائشة رضي الله عنها قالت : " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته، فدخلت ولم أر شيئاً ووجدت ريح المسك، فقلت يا رسول الله لم أر شيئاً !فقال : إن الأرض أمرت أن تكفيه منا معاشر الأنبياء "، أخرجه الحاكم في المستدرك بلفظه والطبراني في الأوسط وفي مجمع البحرين بنحوه وابن سعد في الطبقات وذكره السيوطي في الخصائص الكبرى ونسبه إلى البيهقي وأبو نعيم والحاكم والدارقنطي في الأفراد وقال هذا الطريق أقوى طرق الحديث قال ابن دحية في الخصائص بعد ايراده : هذا سند ثابت .

عن عائشة رضي الله عنها قالت : " مات النبي صلى الله عليه وسلم فلما خرجت نفسه ما شممت رائحة قط أطيب منها "، أخرجه البزار وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح .

و عن علي رضي الله عنه قال : " غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئاً وكان طيباً حياً وميتاً صلى الله عليه وسلم "، أخرجه الحاكم وقال ( صحيح على شرط الشيخين ) ووافقه الذهبي .





من خصائص رسول الله صلى الله عليه و سلم

طاعة النبي صلى الله عليه و سلم ومبايعته هي عين طاعة الله تعالى ومبايعته

قسم الله تعالى بعظيم قدره

اختصاصه صلى الله عليه وسلم بجواز أن يقسم على الله به

الرسول صلى الله عليه و سلم أولى بالمسلمين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم يحرم نكاحهن من بعده

نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق

رؤيته ما لا يرى غيره

بياض إبطيه

نُصِرَ بالرعب مسيرة شهر كامل

كان قرنه خير قرون بني آدم

حوضه



إن للنبي صلى الله عليه و سلم منزلة عند المولى عز وجل و رتبة أكرمه بها و لقد أنعم عليه بما لا تطيق العقول معرفة كنهه و غايته و لا تفي الأعمار بتحصيله .

و إليكم بعض ما خص الله سبحانه و تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم :

* طاعة النبي صلى الله عليه و سلم و مبايعته هي عين طاعة الله تعالى و مبايعته :

قال تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].

وقال عز و جل: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] .

و قال أيضا: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] .

* قسم الله تعالى بعظيم قدره :

قال الله تعالى : {لَعَمْرُكَ إنَّهُم لَفِي سَكْرَتِهِم يَعْمَهونَ} [الحجر: 72] .

اتفق أهل التفسير في هذا أنَّهُ قَسَمٌ من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم، ومعناه : وبقائكَ يا محمدُ، وقيل وعيشك وقيل وحياتك وهذه نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف.

قال ابن عباس رضي الله عنه : " ما خلق الله تعالى، وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره ".

وقال تعالى: {لا أقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ * وأنتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ} [البلد : 1-2].

قيل: لا أُقْسِمُ به إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه، وقيل لا زائدة أي : أقسم به وأنت به يا محمدُ حَلاَلٌ أو حِلٌّ لك ما فعَلْتَ فيه على التفسيرين، والمراد بالبلد عند هؤلاء : مكة .

* اختصاصه صلى الله عليه وسلم بجواز أن يقسم على الله به :

أخرج البخاري في تاريخه، والبيهقي في الدلائل والدعوات وصححه، وأبو نعيم في المعرفة عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : ادع الله تعالى لي أن يعافيني . قال : " إن شئت أخرت ذلك وهو خير لك، وإن شئت دعوت الله . قال : فادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه، فيقضيها لي . اللهم شفعه فيّ "، ففعل الرجل، فقام، وقد أبصر.

* الرسول صلى الله عليه و سلم أولى بالمسلمين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم يحرم نكاحهن من بعده :

قال الله تعالى : {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6].

معنى " أولى بالمؤمنين من أنفسهم " أي لو كنتَ في مكان تُضرَب فيه عنقك و كان معك النبي صلى الله عليه و سلم موجوداً و خُيِّرتَ بين أن تُضرب عنقك أو تُضرب عنقه، فالواجب أن تقدِّم عنقك و تحمي عنقه، فهو أولى بنفسكَ منك . وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب: 53].

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " ما من مؤمن إلا و أنا أولى به في الدنيا و الآخرة " .

و من ولايته صلى الله عليه و سلم حِرصه على المؤمنين و تأثُّره عليهم و رأفته و رحمته بهم.

* نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق :

قال الإمام تاج الدين السبكي في رسالته التي سماها " التعظيم والمِنَّةِ في لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه " : قال الله تعالى : {وإِذ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّنَ لَمَآ ءَاتَيتُكُم مِن كِتَابٍ وحِكمةٍ ثُمَّ جَآءكُمْ رَسُولُُ مُصَدِّقُُ لِمَا مَعَكُم لَتُؤمِنُنَّ بِه وَلَتَنصُرُنَّهُ} [أل عمران : 81] .

قال المفسرون: الرسول -في هذه الآية- هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأنه ما من نبي إلا أخذ الله تعالى عليه الميثاق ( أي ما من نبي إلا ورضي وقبِلَ ) أنه إن بُعِثَ محمد صلى الله عليه وسلم في زمانه لتؤمنن به ولتنصرنه، ويوصي ( أي كل نبي ) أمَّته بذلك ( أي بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنصرته )، وفي ذلك من التنويه بفضل النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره العليّ ما لا يخفى، وفيه مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسَلاً إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم : " بُعِثتُ إلى الناس كافَّة "، لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة بل يتناول من قبلهم أيضاً، ويتبين بذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " كنتُ نبياً وآدم بين الروح والجسد " .

* النَّهي عن مناداته باسمه :

ما ناداه الله تعالى باسمه قط إلا مُكَنّى بالتكريم . و لا يُرفع صوت فوق صوته .

* استمرار الصلاة و السلام عليه صلى الله عليه و سلم في كل نفس من الأنفاس :

فلا يخلو زمان أو لحظة عن الصلاة و السلام عليه .

* مَن دخل في جوفه شيء من أثر النبي صلى الله عليه و سلم لا يدخل النار :

شريطة أن يكون قد مات على الإسلام .

* كان عليه الصلاة و السلام يقبل الهدية و لا يقبل الصدقة :

عن أبي هريرة و عائشة و عبد الله بن بسر رضي الله عنهم أن النبي عليه الصلاة قال :"إن الله حرَّم عليّ الصدقة و أهل بيتي " .

* لا يأكل متكئاً :

عن أبي جُحَيفة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أمَّا أنا فلا آكل مُتَّكئاً " .

* الخط و الشِّعر لا يُحسِنُهما :

قال تعالى : {وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت : الآية 48]. و قال عز و جل: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69].

* أُبيح له الوِصال في الصوم دون غيره:

قال صلى الله عليه و سلم : " إنّي لست مثلكم، إنّي أُطعَم و اُسقى "، متفق على صحته .

* الزكاة حرام عليه هو و ذوي القربى :

فإنها أوساخ أموال الناس كما أخرجه مسلم عن أبي هريرة، و أُبدِلَ عنها بالغنيمة المأخوذة بطريق العز و الشرف .

* لا يأكل البصل و الثوم و الكراث و ما له رائحة كريهة من البقول :

و هذا لا يعني تحريم أكلها و لكن النبي عليه الصلاة و السلام كان يكره رائحتها .

* ماله لا يُوَرث عنه ( و كذلك سائر الأنبياء ) :

قال صلى الله عليه و سلم : " لا نورِّث، ما تركناه صدقة"، متفق على صحته . و عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " لا نُوَرث ما تركناه صدقة " .

* سراج منير لا وهّاج :

إذا كانت الشمس سراجاً وهاجاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السراج المنير فكله منافع . قال ابن الجوزي : " إن النبي صلى الله عليه وسلم سراجٌ، والسراج لا يوقَد إلا ليلاً وهو صلى الله عليه وسلم بدر والبدر لا يظهر نوره إلا بالليل ".

* رؤيته ما لا يرى غيره :

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " ترون قِبلتي ههنا، فوالله ما يخفى عليّ ركوعكم و لا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري ". و في رواية : " فوالله ما يخفى عليَّ خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري"، أخرجه البخاري ومسلم . قال الشراح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يرى من خلفه كما يرى بعيني بصره و اختلف هل كانت له جارحة يرى بها من ظهره أم لا ؟ و الأسلم أن نؤمن بما قال و نمسك عن البحث فيه .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ثم انصرف فقال : يا فلان ! ألا تحسن صلاتك ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي ؟ فإنما يصلي لنفسه، وإني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي"، أخرجه مسلم. هذه الرؤية معجزة خارقة وهي من خصائصه صلى الله عليه وسلم ولم تنقل إلينا في حق أي من النبيين والمرسلين . وقد اختلف في كيفية هذه الرؤية ونقل الإمام النووي عن الإمام أحمد بن حنبل وجمهور العلماء أن هذه الرؤية بالعين حقيقة انظر شرح صحيح مسلم للنووي و فتح الباري .

* بياض إبطيه :

قال الحافظ محب الدين الطبراني : " من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن الابط من جميع الناس متغير اللون غيره صلى الله عليه وسلم " و ذكر القرطبي مثله وزاد أنه لا شعر عليه وجرى على ذلك الإمام الأسنوي رحمهم الله .

* نُصِرَ بالرعب مسيرة شهر كامل :

هناك خوف يأتي من الطاعة إجلالاً و محبة و هناك خوف يأتي من الذنب قهراً و جبرا . فكان مَن أمامه صلى الله عليه و سلم إمّا أنّه يهابه خشية و إجلالاً، ليس من سطوته و إنّما من عظمة النور الذي وضعه الله فيه، فهذا لا يسمى رعب إنما خوف . قال تعالى :{وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] .

وكان كل من رآه بديهة هابه أي كل من رآه قبل النظر في أخلاقه العليّة و أحواله السَنِيّة، خافه لِما فيه من صفة الجلال الربانية و لِما عليه من الهيبة الإلهية . يقول ابن القيّم أن الفرق بين المهابة و الكبر أنّ المهابة أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الرب و محبته و إجلاله، فإذا امتلأ القلب بذلك حل فيه النور و نزلت عليه السكينة .

و أُلبِسَ رداء الهيبة، فكلامه نور و علمه نور، إن سكت علاه الوقار و إن نطق أخذ بالقلوب و الأبصار .و أمّا الكبر فإنّه أثر من آثار امتلاء القلب بالجهل و الظلم و العُجب، فإذا امتلأ القلب بذلك ترحلت عنه العبودية، و تنزلت عليه الظلمات الغضبية، فمشيته بينهم تبختر و معاملته لهم تَكَبُّر، لا يبدأ من لَقِيَه بالسلام و إن رد عليه يريه أنّه بالغ في الإنعام، لا ينطق لهم وجهه و لا يسعهم خُلُقه . أمّا من خالط النبي عليه الصلاة و السلام معرفةً أحَبَّه أي من عاشره معاشرة معرفة أو لأجل المعرفة أحبَّه حتى يصير أحَب إليه من والديه و ولده و الناس أجمعين لظهور ما يوجب الحب من كمال حسن خُلُقه و مزيد شفقته، هذا كله فيمن خالطه معرفة، أمّا من خالطه تكبّراً كالمنافقين فلا يحبه.

و من المعلوم أنّ الذي يذنب ويسيء حينما يجد أحداً أمامه يعرف ذنبه يخاف منه وهذا كان حال اليهود الذين كانوا يخافون النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم يعرفون أنه رسول الله .

* كان قرنه خير قرون بني آدم:

فالقرن الذي كان فيه صلى الله عليه و سلم خير قرن مرَّ على الدنيا كلها . عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة و السلام قال : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، رواه مسلم .

* حوضه :

قال صلى الله عليه و سلم : " حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيَب من المسك، و كيزانه (أي كؤوسه) كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبداً "، رواه مسلم.‍‍‍





وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم

كانت السنة العاشرة من الهجرة و لم يحجّ رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد، إذ أنّ الحج فُرِضَ في العام التاسع من الهجرة، فأعلن النبي عليه الصلاة و السلام الحجّ و توافد الناس إليه و أخذ معه عائشة و سار باتجاه مكة فدخلها في شهر ذي القعدة .

و أحرم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحجّ إفراداً و في رواية قِراناً و كان معه الهَديُ .

و طاف عليه الصلاة و السلام و أمر الناس أن يُحرِموا بعمرة لكي لا يشُقَّ عليهم، فأحرم الناس بعمرة ثم أحلّوا و بقي محرِماً إلى يوم التروية فأمر الناس بالسير إلى منى، فبات اليوم الثامن فيها ثم خرج إلى عرفة في اليوم التاسع حيث شُهِدَ أول موقف لدولة الإيمان، حول رسول الله صلى الله عليه و سلم جند الله تعالى مُحرِمين مُلَبّين بعد أن كادت تلك الأرض أن تيأس من أن يُعبَدَ الله تعالى وحده فوقها . و وقف رسول الله صلى الله عليه و سلم فأرى الناس مناسكهم و علَّمهم حَجَّهم و وقف يخطب بهم في عرفات، فحمد الله تعالى و أثنى عليه ثم قال :" أيها الناس اسمعوا قولي، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا .

أيها الناس، إنّ دماءكم و أموالكم حرامٌ عليكم كحُرمَة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا و إنّ كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع و دماء الجاهلية موضوعة و إنّ أول دم أضع من دمائنا دمُ ابن ربيعة بن الحارث وربا الجاهلية موضوع، و أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنّه موضوع كله .

أيها الناس، إنّ الشيطان قد يئس من أن يُعبَدَ بأرضكم هذه أبداً، و لكنه إن يُطَع فيما سوى ذلك فقد رضي به مِمّا تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم فإنّ خطر المعاصي على القلوب لعظيم .

أيها الناس، إنّ النَّسيء زيادة في الكفر يضِلُّ به الذين كفروا، يحلّونه عاماً و يُحَرِّمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرَّم الله، فيُحِلّوا ما حرَّم الله و يُحَرِّموا ما أحلَّ الله، و إنّ الزمان قد استدار كهَيأته يوم خَلَقَ الله السماوات و الأرض، السَّنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حُرُم، ثلاثة متواليات : ذو القعدة و ذو الحِجَّة. والمحرَّم و مُضَر الذي بين جمادى وشعبان (أي رجب).

و بهذا يكون رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أعلن في كلامه عن تطابق الزمن إذ ذاك مع أسماء الأشهر المقسَّم عليها و ذلك بعد طول تلاعب بها من العرب في الجاهلية و صدر الإسلام، فقد كانوا كما قال مجاهد و غيره يجعلون حَجَّهم كل عامين في شهر مُعَيَّن من السَّنة، فيحجّون في ذي الحجّة عامين، ثم في المحرَّم عامين و هكذا .

فلمّا حجَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا العام، وافق حَجُّه شهر ذي الحجة و أعلن رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ ذاك أنّ الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات و الأرض، أي فلا تتلاعبوا بالأشهر تقديماً و تأخيراً، و أنّه لا حجّ بعد اليوم إلا فيهذا الزمن الذي استقر اسمه "ذا الحجة". و ذكر بعضهم أن المشركين كانوا يحسبون السّنة اثنى عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، فكان الحج في رمضان و في شوال و ذي القعدة ..و في كل شهر من السنة، و ذلك بحُكم استدارة الشهر بسبب زيادة الخمسة عشر يوما. و لقد كان حجّ أبي بكر في السنة التاسعة من الهجرة واقعاً في شهر ذي القعدة بسبب ذلك، فلمّا كان العام المقبل، و فيه قام رسول الله صلى الله عليه و سلم بحجّ الوداع وافق حجّه ذا الحجة في العشر منه و طابق الأهِلَّة ن و أعلن حينئذ عليه الصلاة و السلام نسخ الحساب القديم للزمن و أنّ السّنة إنَّما تُعتبر بعد اليوم اثنى عشر شهراً فقط، فلا تداخل بعد اليوم.

قال القرطبي : و هذا القول أشبه بقول النبي صلى الله عليه و سلم : إنّ الزمان استدار .. أي إنّ زمان الحج قد عاد إلى وقته الأصلي الذي عيَّنه الله تعالى يوم خلق السماوات و الأرض، بأصل المشروعية التي سبق بها علمه .

ثم قال صلى الله عليه و سلم : "فإنّ لكم على نسائكم حقاّ و لهنّ عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فُرشكم أحداً تكرهونه و عليهن أن لا يأتين بفاحشة مبيَّنة، فإن فعلن فإنّ الله قد أذِنَ لكم أن تهجروهنّ في المضاجع و تضربوهنّ ضرباً غير مُبَرِّح، فإن انتهين فلهن رزقهن و كسوتهن بالمعروف .

أيها الناس، استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً و إنّكم إنَّما أخذتموهن بأمانة الله و استحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقِلوا قولي، إنّي قد بَلَّغت و قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً بعدي، كتاب الله و سُنَّة نبيّه .

أيها الناس اسمعوا قَولي و اعقلوه، تعلَمُنَّ أنّ كل مسلم أخ للمسلم و أنَّ المسلمين إخوة فلا يَحِلُّ لامرىء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تَظلِمُنَّ أنفسكم، اللهمَّ هل بَلَّغت ؟ فقال الناس : نعم .

فقال : "اللهمَّ اشهَد عليهم". ثم أفاض الرسول المصطفى صلى الله عليه و سلم من عرفات و عاد إلى المدينة فأقام بها ثلاثة أشهر : ذي الحجّة و المحرَّم و صَفَر، ثم هيَّأ جيش أسامة الحِبَّ ابن الحِبّ لِيَغزوا فيه أرض فلسطين في المكان الذي قُتِلَ فيه سيدنا زيد بن الحارثة و جعفر بن أبي طالب و عبد الله بن رواحة رِضوان الله عليهم في معركة مؤته.

بعد هذه الأشهر الثلاثة في وسط صَفَر-كما نقل أكثر الرواة - بدأ رسول الله صلى الله عليه و سلم بالشكوى من رأسه و كان ذلك بعد حجّة الوداع بإحدى و ثمانين يوماً، و أنزل الله تعالى قوله :

{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1-3]. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " نُعِيَت إليَّ نفسي " . فلمّا قالها رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال له جبريل : يا أخي و لَلآخرة خير لك من الأولى . و جاء سيدنا جبريل يستعرض معه القرآن فقرأه معه مرتين و اجتهد رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعبادة حتى صار كالثوب البالي من كثرة العبادة و كان كل يوم عندما يذهب و يجيء يقول : سبحان الله و بحمده استغفر الله و أتوب إليه . فقالت له أم سلمة : يا رسول الله إنّك تدعو بدعاء لم تدعه من قَبل . فقال : " إنّ ربي أخبرني أنّني سأرى علماً في أمَّتي و أنني إذا رأيته أسبِّح بحمده و أستغفره، ثم قرأ قوله تعالى : { إذا جاء نصر الله و الفتح ...} . و قبل وفاته صلى الله عليه و سلم بأيام خرج إلى قتلى أُحُد بعد ثمان سنين فوقف إليهم و سلم عليهم و حيّاهم و أكثر من الصلاة عليهم ثم عاد فصعد المنبر و جمع الناس فقال : أيها الناس إني بين أيديكم فرط و أنا عليكم شهيد و إنّ موعدكم الحوض و إني لأنظر إليه و أنا في مقامي هذا و إني قد أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض و إني لست أخشى عليكم أن تُشرِكوا بعدي و لكني أخشى عليكم أن تنافسوا فيها كما تنافسوا فيها فتُهلِكَكم كما أهلَكَتكم،ثم جلس ثم قام فقال : أيها الناس إنَّ عبداً خيَّره الله أن يؤتيه زخرف الدنيا و بين ما عنده فاختار ما عند مولاه . فقام أبو بكر و قال : فديناك بآبائنا و أمهاتنا يا رسول الله ! فتعجّب الناس من الصِدّيق و قالوا لِمَ فعل هذا ؟ إنّما يقول عن عبد خيَّره الله تعالى و لكن الصدّيق فَهِم مَن هذا العبد المخَيَّر، ثم قال الرسول صلى الله عليه و سلم : إنَّ أمَنّ الناس عليّ بصحبته و ماله أبو بكر، كلّ من كان له عندنا يداً كافأناه عليها إلا الصدّيق فإنا نترك مكافأته لله، لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً و لكن أخوَّة الإسلام، لا يبقى في المسجد بابٌ إلا ويُغلَق ألا باب أبي بكر.

ثم نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فما رُؤيَ بعدها على المنبر جالساً إلا مرة.

ثم دخل عليه الصلاة و السلام إلى بيته و في الليل خرج فرأى رجلاً من الصحابة فقال : يا فلان إني أُمِرتُ أن أستغفر لأهل أُحُد، فاخرج معي . فخرج في منتصف الليل إلى أُحُد، فاستغفر لهم و دعا لهم ثم عاد إلى البيت فدخل فإذا بعائشة قد عصبت رأسها من الألم، فقالت : يا رسول الله وا رأساه . قال : بل أنا يا عائشة وا رأساه .

ثم بدأ يدور على أزواجه حتى أتعبه المرض فاستأذن أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة فأذِنوا له، فحمله سيدنا العباس و سيدنا عليّ و إنّ رجلاه لتخطّان على الأرض خطاً لا يستطيع الوقوف عليهما من شدة المرض، فدخل بيت عائشة فقالت : بأبي أنت و أمي يا رسول الله . ثم جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم في بيتها و اشتدَّت عليه الحمى فدعا عائشة و حفصة و طلب أن يأتوه بقُرَب من آبار متعددة لتكون باردة فجاءوا بسبع قُرَب فجلس في مخضب و وُضِعَ الماء عليه و هو يشير أن صُبوا عليّ منها . يقول العباس : و كنت إذا لمسته ضربتني الحمّى، فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُنزَعُ كما يُنزَع الرجال من الناس .

و عن عبد الله بن عمر قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يوعَك وعكاً شديداً فقلت يا رسول الله إنّك توعك وعكاً شديداً، فقال عليه الصلاة و السلام : أجل إنني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت :ذلك أن لك لأجرين قال : أجل ذلك أن ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفَّر الله بها سيئاته .

و أخرج النسائي عن فاطمة بنت اليمان أنها قالت : أتيتُ النبي صلى الله عليه و سلم في نساء نعوده، فإذا سِقَاء يقطر عليه من شدة الحمى، وضعوا وعاء ماء يقطر عليه ليبرد عنه شدة الحمى، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أشدَّ الناس بلاء: الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" .

و رُوِيَ عن عروة أنه صلى الله عليه و سلم قال : "ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلتُه بخَيبر من الشاة المسمومة " .

و قد تُوفي رسول الله صلى الله عليه و سلم شهيداً، فهو قد نال صفات كمال البشر جميعاً، وهو سيد الكرماء و سيد العقلاء و سيد الحكماء .

و كان ابن مسعود و غيره من الصحابة يرون أنه مات شهيداً بالسُّمِّ .

نقل البخاري عن عائشة قولها : " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا مرض أو اشتكى نفث على نفسه بالمعَوِّذات، و كان ينفث فيمسح بها يده، فلما مرض مرضته هذه، كنت أنا أقرأ و أمسح على النبي صلى الله عليه و سلم. وقد جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم يوماً، و كان المرض قد اشتد به أُسكِتَ فلم يعد قادراً على الكلام، فدخل عليه سيدنا أسامة و كان قد جهز الجيش للمسيرة فتوقَّف، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه و سلم بين يديه و هو غير قادر على الكلام، فكان يضع يده على سيدنا أسامة ثم يرفع يديه إلى السماء، قال سيدنا أسامة : فعرفتُ أنه يدعو لي ثم يضمني إلى صدره، ثم يرفع يديه إلى السماء، ثم يمسحني بيديه . ثم فتح عينيه و قال عليه الصلاة و السلام :" يا عائشة إنه ليهون عليّ الموت أني رأيتكِ في الجنة"، ففرحت عائشة .

و كان في بيته حين مرضه سبعة دنانير، فإذا أُغميَ عليه ثم أفاق، صحا يقول : يا عائشة تصدّقي بها، فإذا استيقظ قال ما فعلتم بالمال ؟ يقولون : يا رسول الله شُغِلنا بك، يقول : ما ظنُّ محمد بربّه لو لقيَ الله وعنده هذه الدنانير، تصدّقوا بها كلها .ثم دعا النبي صلى الله عليه و سلم سيدتنا الزهراء فاطمة، فلمّا دخلَت عليه ابتسم و قرَّبها منه وهمس في أذنها فسارَّها بشيء، فبكت ثم دعاها فسارَّها بشيء، فضحكت، فسألتها عائشة فقالت : ما كنتُ لأفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم. وكان صلى الله عليه و سلم إذا دخلت عليه فاطمة قام إليها و قبَّلَها وأجلسها في مجلسه فلما مرض ودخلت عليه لم يستطع القيام فأكَبَّت على يديه فقبَّلتهما و قبَّلته من وجنتيه، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : "يا فاطمة إنَّ جبريل كان يعاودني القرآن كل سنة مرة، وإنه عاودني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي ويا فاطمة أبشري إنكِ أول أهل بيتي لحوقاً بي".

و عن عائشة قالت : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة : "يا فاطمة أخبرني جبريل أنه ليس من نساء المسلمين أعظم مُصاباً منكِ بي بعدي، فلا تكوني أدنى امرأة منهم صبراً، فاصبري يا ابنتي و احتسبي عند الله أجرك تكوني أول الناس لحوقاً بي"، فقامت فاطمة و قالت : احتسبتكَ عند الله " . و كانت رضي الله عنها قد توفيت بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم بستة أشهر.

و في ليلة الوفاة و يُقال ليلة الاثنين، عند صلاة الفجر و المسلمون ينتظرون رسول الله صلى الله عليه و سلم، بعث السيدة عائشة و قال لها : " مُري أبا بكر فَليُصَلِّ بالناس "، فقالت: يا رسول الله إنَّ أبا بكر رجل ضعيف الصوت، فقال عليه الصلاة و السلام : "إنَّكن صُوَيحبات يوسف، مُرنَ أبا بكر فليصلِّ بالناس"، فقالت: يا رسول الله إنَّ أبا بكر رجل رقيق لا يستطيع أن يقف مكانك و أنت مريض و إذا قرأ القرآن لا يسمع الناس قراءته من كثرة بكائه، فقال عليه الصلاة و السلام : "مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" . فصلى أبو بكر سبعة عشر صلاة بالناس، فلما ازداد مرض رسول الله صلى الله عليه و سلم وجعاً امتلأ المسجد بالناس لا يغادرونه حتى يطمئنوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم، حتى كان فجر ذلك اليوم الذي غادر فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم الدنيا، فوقف أبو بكر يؤمُّ الناس فإذا برسول الله صلى الله عليه و سلم يفتح حجاب البيت و ينظر فيجدُ المسجد مُلِء،َ فيبتسم و يقول الحمد لله ثم ينادي على عليّ و الفضل و العباس فيحملونه فيدخل المسجد و هو يخط بقدميه الأرض خطا . فابتسم الناس و عَلَت أصواتهم بالحمد و أحسَّ أبو بكر أن رسول الله خرج فتراجع و وقف مع المصلّين، فأمره رسول الله بالوقوف و جلس بجانبه و اقتدى رسول الله صلى الله عليه و سلم بأبي بكر و في رواية أخرى اقتدى أبو بكر بالرسول صلى الله عليه وسلم و اقتدى الناس بأبي بكر، أي كان أبو بكر مبلِّغاً (و من هنا قال الشافعية الأدب مُقَدَّمٌ على الأمر ) .

ثم بعد أن انتهى من الصلاة أمرهم أن يُصعِدوه المنبر، فجلس على أسفله، لم يستطع أن يرتفع كثيراً، ثم حَمِدَ الله تعالى و أثنى عليه و صلى على نفسه ثم قال : أيها الناس بلغني أنكم تخافون موت نبيِّكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بُعِثَ إليهم فأخلد فيكم ؟ ألا و إني لاحق بربي ألا و إنكم لاحقون بي، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً و أوصيكم في ما بينهم خيراً، فإنَّ الله يقول : {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3]، إنّ الأمور تجري بإذن الله فلا يحمِلَنَّكم استبطاء أمر على استعجاله، إنّ الله لا يَعجَل بعجلة أحد و من غالب الله غلبه و من خادع الله خدعه، فهل عسيتم أن تولَّيتم أن تفسدوا في الأرض و تُقَطِّعوا أرحامكم .

أيها الناس أوصيكم بالأنصار خيراً فإنهم الذين تبَوَّأوا الدار و الإيمان من قبلكم، و أن تُحسِنوا إليهم . أيها الناس ألم يشاطروكم في ثمارهم، ألم يوسعوا لكم في ديارهم، ألم يؤثروكم على أنفسهم و بهم الفقر و الخصاصة ؟!!!

ألا فمن وُلي أن يحكم بين رجلين فليقبل من مُحسِنِهم و ليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا و إني فرط لكم ( أي ذاهب قبلكم ) فأنتم لاحقون بي، ألا إنّ موعدكم الحوض، فمن أحبَّ أن يَرِدَه عليّ غداً فليكف يده و لسانه إلا فيما ينبغي . يا أيها الناس إنّ الذنوب تُغَيِّر النِّعَم و تبدِّل القِسَم فإذا ضر الناس ضرهم أئمَّتهم و إذا فجروا عقَّهم أئمَّتهم، ثم قال : حيَّاكم الله بالسلام، رحمكم الله جبركم الله رزقكم الله نصركم الله رفعكم الله آواكم الله، أوصيكم بتقوى الله، أستخلفه عليكم، أحذِّركم الله، إني لكم منه نذير مبين ألا تعلوا على الله في بلاده و عباده فإنه قال لي و لكم : {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] . فقام رجل و قال : يا رسول الله متى أجَلُك ؟ قال : يا أخي دنا الفراق و المنقَلب إلى الله و إلى الجنة المأوى .قلنا من يغَسِّلك ؟ قال : رجال أهل بيتي، قلنا و بما نُكَفِّنك ؟ قال : بثيابي و إن شئتم في ثياب بياض مصر . قلنا يا رسول الله : من يصلي عليك ؟ قال : إذا أنتم غسَّلتموني و كفَّنتموني فضعوني على سريري هذا على شفير قبري ثم انصرفوا عني ساعة فإنَّ أول من يصلي عليّ، جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت و أعوانه من جنود الملائكة، ثم ادخلوا عليّ أفواجاً أفواجاً فصلوا عليّ و سلِّموا تسليما . ثم لِيَبدأ بالصلاة عليّ رجال أهل بيتي ثم نساؤهم ثم أنتم و أقرِئوا السلام على من تبعني على ديني من يومي هذا إلى يوم القيامة .

تقول السيدة عائشة : لم يُقبض نبي حتى يريه الله تعالى مقعده في الجنة، تقول : فرأيتُ الرسول صلى الله عليه و سلم قد أغمض عينيه و رفع يده إلى السماء ففهِمتُ أنه يقول ربي، أريد ربي، هنا دخلت فاطمة فرات أباها في النَّزع فقالت : وا كرب أبتاه، فقال صلى الله عليه وسلم : لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة، ثم قبض روحه ملك الموت، فسُمِعَ صوت في البيت يقول: " إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفاً من كل هالك و دَرَكاً من كل فائت فبالله فثِقوا وإيّاه فارجوا وإنَّما المصاب من حُرِمَ الثواب والسلام عليكم ورحمة الله ". تقول عائشة : فوضع الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه بين صدري و نحري و طلب شيئاً من الماء وضعه على شفتيه و قال : "اللهم سَهِّل عليّ سكرات الموت" . و بدأ ينزع عليه الصلاة والسلام، وأنا أنظر إليه ما أدري ما الأمر، فإذا به يثقل ويثقل ونظرت فإذا هو قد شَخَصَ ببصره إلى السماء فعرفتُ إنه قد قُبِض، فوضعتُ رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم وخرجتُ وأنا أبكي فاستقبلني الناس وكان عمر على الباب، فلمّا سمع خُبِلَ وجاءت النساء فرأوا الرسول صلى الله عليه وسلم شاخصاً، فإذا برجل يصيح من باب المسجد : وا رسول الله!!! فسمع أبو بكر الصوت على بُعْدٍ من المدينة، فإذا به يركض مُتَّجهاً إلى المسجد و هو يهُدُّ الأرض هدَّاً و يصل إلى المسجد فإذا بعمر قد أخذ سيفه ووقف أمام الناس و هو يقول : من يقول إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مات أضرب عنقه، إنّه لم يمت و لن يموت!.

فجاء الصدِّيق، فدخل على الرسول صلى الله عليه و سلم و عيناه تنهمران و زفراته تتردد و كان قد غُطّيَ وجهه الكريم صلى الله عليه و سلم، فجلس على ركبتيه و كشف عن وجه صاحبه و مسحه و جعل يبكي ويقول : " بأبي أنت و أمي يا حبيبي، طِبتَ حيّاً و ميتاً، لقد انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحدٍ من الأنبياء، جللتَ يا حبيبي عن البكاء و لو أنّ موتك كان اختياراً لَجُدنا لموتك بأرواحنا، يا حبيبي يا رسول الله، لولا أنّك نَهَيتنا عن البكاء لأنفدنا عليك ماء العيون لا يبرحان بنا إلى أن نلقاك بأبي أنت و أمي يا رسول الله، أمّا الميتة التي وعدك الله إيّاها فقد ذقتها، فلا أَلَم عليك بعد اليوم". ثم رفع يديه وقال: "اللهم أبلغه عنّا السلام، أُذكُرنا يا محمد عند ربك و لِنَكن في بالك، فلولا ما خلَّفتَ من السكينة لم نقم أبداً، اللهم أبلِغ نبيك عنّا و احفظه فينا " . ثم خرج فرأى عثمان يأتي المسجد و قد خرس لسانه، أمّا سيدنا عليّ فكأن رجلاه قد شلت فلا يستطيع القيام . ثم دخل أبو بكر إلى المسجد و عمر يجول كالأسد و لا يرضى أن يقول أحد بأنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قد مات .

فصعد على المنبر و قال : إليَّ إليَّ أيها الناس، فاجتمعوا حول الصدِّيق، فقال رضوان الله تعالى عليه : " أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أنّ محمداً عبده و رسوله، و أشهد أنّ الكتاب كما نُزِّل، و أنّ الدين كما شُرِّع، و أنّ الحديث كما حُدِّث، و أنّ الله هو الحق المبين .

أيها الناس من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات، و من كان يعبد الله فإنّ الله، حيّ لن يموت، إلا أنّ الله تعالى قبضه إلى ثوابه و خلَّف فيكم كتابه و سنَّة نبيِّه، فمن أخذ بهما عُرِف، و من فرَّق بينهما أنكر، و لا يشغلنَّكم الشيطان بموت نبيِّكم، و لا يلفتنَّكم عن دينكم " . فلمّا فرغ من خطبته قال : يا عمر أنت تقول أنّ النبي صلى الله عليه و سلم ما مات ! قال : نعم يا أبا بكر . فقال أبو بكر : أنسيت قول الله تعالى : {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] و في رواية أخرى تلا أبو بكر قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران : 144]. فسقط سيدنا عمر مغشيّاً عليه و تيقّن أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قُبِض.

ثم ذهب الناس و كأنّ المدينة قد غطتها سحابات الحزن و اجتمعوا في ثقيفة بني ساعدة و كانت الخلافة للصدِّيق .

ملاحظة : إنّ تعيين الخلافة كان قبل تغسيل رسول الله، و ذلك لأهمية وجود خليفة للمسلمين و للضرر العظيم الناتج عن عدم وجود خليفة و لو لساعات قليلة ! .

ثم دخل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم: العباس و عليّ بن أبي طالب يغسلون النبي صلى الله عليه و سلم . و حاروا كيف يغسِّلونه، أَيُجَرِّدُونَه ثيابه أم يتركونها عليه ؟ فجاءتهم سِنَةٌ من النوم جميعاً ( فناموا )، فما استيقظوا إلا وصوت يقول لهم : غسِّلوا رسول الله صلى الله عليه و سلم في ثيابه.

فغسلوه عليه الصلاة و السلام في ثيابه ثم بدأوا بالتكفين بأثواب بيض، فكفَّنوه بثلاثة أثواب ثم بدأوا الصلاة فخرجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركوه ساعة من النهار ثم صلوا على النبي عليه الصلاة و السلام ثم بدأ الناس يدخلون على رسول الله صلى الله عليه و سلم أفواجاً أفواجاً وهم يصلُّون عليه بلا إمام فرسول الله صلى الله عليه و سلم إمام الأئمة.

ثم جاؤوا فحفروا القبر الشريف تحت فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم، فلمّا فرغوا و أنزلوا النبي عليه الصلاة و السلام فيه و بدأوا بِحَثي التراب، وبعد أن خرجوا إذ بفاطمة الزهراء تُقبِل، فلمّا دخلت البيت ورأت القبر قد سُمِد استدارت إلى الصحابة و قالت: كيف طابت أنفسكم أن تَحثوا التراب على أبي!! ثم مالت على تربة أبيها وقالت:

ماذا على من شمَّ تربة أحمدِ ألاَّ يشم مـدى الزمان غواليَ

وصُبَّت عليّ مصائبُ لو أنّها صُبَّت على الأيام عدنا لياليَ

فأخذها سيدنا عليّ وأقامها وأدخلها بيتها و هي تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتحت التراب تكون؟!!!

يقول أنس رضي الله عنه : "ما رأيتُ أوضأ ولا أضوأ من يوم أن دخل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم مهاجراً فلمّا دفنّاه ما رأيتُ أظلم من ذاك اليوم".

و يقول الصحابة بعد ذلك، إذا أُصيب أحدنا بمُصاب، كنّا نعزِّيه فنقول يا أخي أُذكُر مُصابك برسول الله صلى الله عليه و سلم، فينسى مصابه.

إنّه لأعظم مصاب و لكن نحن رضينا بقضاء الله و قَدَرِه، إنّ العين لتَدمع و إنّ القلب ليحزن و إنّا على فراقك يا رسول الله لَمَحزونون و لا نقول إلا ما يُرضي ربنا :

( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ) ثم ذهب بلال إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم أبي بكر، فقال له : إني سمعتُ رسول الله يقول، أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله .

قال له أبو بكر : فما تشاء يا بلال ؟ قال بلال : أردتُ أن أُرابط في سبيل اللهتعالى حتى أموت . فقال أبو بكر: و من يؤذِّن لنا؟ قال بلال و عيناه تفيضان من الدمع: إنّي لا أُؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم . قال أبو بكر: بل ابقَ و أذِّن لنا يا بلال .

قال بلال : إن كنتَ أعتقتني لأكون لكَ فليكن ما تريد و إن كنتَ أعتقتني لله فدعني و ما أعتقتني له . فقال أبو بكر : بل أعتقتك لله ! .

فَنَذَر بلال بقية حياته و عمره للمرابطة في ثغور الإسلام مصمِّماً على أن يلقى الله تعالى و رسوله و هو على خير عمل يُحِبَّانه . ولم يعد يصدح بالآذان صوته الشَّجي الحنون المهيب، ذلك أنه لم يكن ينطق في أذانه " أشهد أنَّ محمداً رسول الله" حتى تجيش به الذكريات فيختفي صوته تحت وقع أساه و تصيح بالكلمات دموعه و عَبَراته .و كان آخر أذان له أيام أن زار الشام أمير المؤمنين عمر و توسَّل المسلمون إليه أن يحمل بلالاً على أن يؤذِّن لهم . و صعد بلال و أذَّن فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله صلى الله عليه و سلم و بلال يؤذن له، بكوا كما لم يبكوا من قبل أبداً و كان عمر أشدهم بكاء .

و مات بلال في الشام مرابطاً في سبيل الله كما أراد فرضي الله تعالى عنه و عن سائر الصحابة الكرام .

وفي الختام أقتبس هذا البيت من قصيدة حسان بن ثابت في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض التصرف فأقول :

كتبت ما يسر الله في وصفه لعلي في جنة الخلد أخلدُ

مع المصطفى أرجو بذاك جواره وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهدُ

(الصلاة والسلام عليك يا رسول الله)



ميراث رسول الله صلى الله عليه و سلم :

روى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه مرَّ بسوق المدينة فوقف عليها فقال : يا أهل السوق ما أعجزكم ؟ قالوا و ما ذاك ؟ قال : ذاك ميراث محمد صلى الله عليه و سلم يُقسَم و أنتم هنا ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه ! قالوا : و أين هو ؟ قال : في المسجد . فخرجوا سراعاً، و وقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم : ما لكم ؟ فقالوا : يا أبا هريرة لقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نرَ فيه شيئاً يُقسَم ! فقال لهم أبو هريرة : و ما رأيتم في المسجد أحداً ؟ قالوا : بلى رأينا قوماً يصلّون و قوماً يقرؤون القرآن و قوماً يتذاكرون الحلال و الحرام .

فقال لهم أبو هريرة : ويحكم ! فذاك ميراث محمد صلى الله عليه و سلم !!! .

* رسول الله صلى الله عليه وسلم حي على الدوام :

يؤخذ من الأحاديث التي وردت في شأنه صلى الله عليه وسلم أنه حي على الدوام، وذلك أنه محال عادة أن يخلوا الوجود كله من واحد يسلم عليه في ليل ونهار ونحن نؤمن ونصدق لأنه صلى الله عليه وسلم حي يرزق في قبره، وأن جسده الشريف لا تأكله الأرض، والإجماع على هذا، وزاد بعض العلماء، الشهداء والمؤذنين، وقد صح أنه كشف عن غير واحد من العلماء والشهداء فوجدوا لم تتغير أجسامهم، والأنبياء أفضل من الشهداء .ومن أدلة ذلك قوله تعالى : {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. [آل عمران: 169].

فإن الشهادة حاصلة له صلى الله عليه وسلم على أتم الوجوه، لأنه شهيد الشهداء، وقد صرح ابن عباس وابن مسعود وغيرهما رضي الله عنهم بأنه صلى الله عليه وسلم مات شهيداً .





فضيلة الصلاة على المصطفى المختار صلى الله عليه و سلم

المقصود بالصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم

الحكمة في إضافة الصلاة إلى الله تعالى وملائكته دون السلام

الحكمة في تأكيد التسليم بالمصدر دون السلام

كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم

أفضل الكيفيات في الصلاة عليه

المراد بالبركة في قوله : " وبارك على محمد "

فضيلة الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم

فضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم

فضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلته

الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم وسيلة لنيل أرفع الدرجات

التحذير من ترك الصلاة عليه عند ذكره صلى الله عليه و سلم

استحباب ابتداء الدعاء بالصلاة و السلام عليه

الصلاة على النبي التي تجب بالنذر

الصلاة عليه عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث

الصلاة عليه عند كتابة الفتيا

الصلاة عليه عند القيام بصلاة الليل



يقول الله عز و جل في كتابه الكريم : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

لقد أمرنا الله سبحانه و تعالى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه الكريم وفي ذلك شرف منيف و فضل عظيم اختصّ به سيد خَلقه وصفوة عباده وخاتم رسله صلى الله عليه وسلم.

لقد أخبرنا الله عز و جل عن نفسه أنه سبحانه و تعالى يصلي على نبيِّه و أنّ ملائكته أيضاً يصلّون عليه ثم بعد ذلك أمر المؤمنين بقوله:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .

المقصود بالصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم :



والصلاة من الله تعالى رحمة و رفع درجات ومن الملائكة استغفار ومن المؤمنين دعاء . ولم يُذكَر عن أحد سوى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أنه سبحانه وتعالى يصلي عليه هكذا ثم كلَّف به المؤمنين .

و للرسول صلى الله عليه و سلم أفضال عظيمة على الأمة كلها، فبه صلى الله عليه و سلم عرفنا خالقنا و مالكنا و تشرَّفنا بالإيمان و عن طريقه وصلت إلينا تلك التعليمات المباركة التي بها نحصل على فلاح الدنيا و الآخرة في صورة القرآن الكريم و الحديث الشريف .

قال ابن عبد السلام : ليست صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة منا له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه؛ لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا، وأفضاله علينا، إذ لا إحسان أفضل من إحسانه صلى الله عليه وسلم، وفائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه دلالة ذلك على نضوج العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة والاحترام.

وقال أبو العالية: صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته، وصلاة الملائكة عليه الدعاء .

قال ابن حجر : وهذا أولى الأقوال، فيكون معنى صلاة الله عليه ثناؤه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من الله تعالى .

قال الطبري عن ابن عباس في تفسير هذه الآية : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} . [الأحزاب: 56] .

يقول : يباركون على النبي، ومعنى ذلك أن الله يرحم النبي، وتدعوا له ملائكته ويستغفرون، وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو الدعاء، ويقول الله تعالى ذكره : يا أيها الذين آمنوا ادعوا لنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم وسلموا عليه تسليما، يقول : وحيوه تحية الإسلام .

وصلاة الله على النبي ذكره بالثناء في الملأ الأعلى ؛ وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله سبحانه وتعالى، ويالها من مرتبة سنية حيث تردد جنبات الوجود ثناء الله على نبيه ؛ ويشرق به الكون كله، وتتجاوب به أرجاؤه، ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي الباقي . وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة وهذا التكريم، وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي وتسليمه، وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم ؛ إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وتسليمهم إلى تسليمه، وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلوي الكريم .

معنى صلاة الله والملائكة والرسول على المؤمنين كلمة الصلاة تعني مزيجاً من الثناء والمحبة ورفعة الشأن والدرجة وهذه الكلمة وردت بالنسبة إلى أعمال صالحة قام بها أصحابها، فاستحقوا بها الصلاة، وبالنسبة إلى جمهور المؤمنين عموماً، فالذين يصبرون على مصابهم، ويتحملون بجلدٍ بلواهم هؤلاء لا يحرمون من عناية الله ورحمته، قال الله تعالى : {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة : 156-157].

وهناك صنف آخر من عباد الله، يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليهم، هؤلاء هم الذين يخرجون الحق المعلوم ويكبتون وساوس الشيطان التي تأمر بالبخل والكزازة ويبسطون أيديهم بالعطاء تفريجاً للكرب، ودعماً للجهاد، هؤلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ صدقاتهم، وأن يصلي عليهم، قال تعالى :

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103]، أي يجيب دعاءك لهم، وصلاتك عليهم .

ووردت آية أخرى تقول : {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] .

وتبين هذه الآية الكريمة أن رب العالمين يحب أهل الإيمان، ويتولاهم بالسداد والتوفيق، وتحيط بهم في الدنيا ظلمات شتى، فهو يخرجهم من الظلمة، ويبسط في طريقهم أشعة تهديهم إلى الغاية الصحيحة، وترشدهم إلى الطريق المستقيم، وهذا المعنى في عمومه ذكرته الآية :

{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}، [البقرة: 257].

إن الصلاة التي يستحقها الصابرون على مصابهم، والصلاة التي يستحقها المؤتون للزكاة، والصلاة التي يخرج بها أهل الإيمان من الظلمة إلى الضوء، ومن الحيرة إلى الهدى، هذه الصلوات كلها دون الصلاة التي خصَّ الله بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن صلاة الله وملائكته على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تنويه بالجهد الهائل الذي قام به هذا الإنسان الكبير، كي يخرج الناس من الظلام إلى النور، وهو الذي بدد الجاهليات، وأذهب المظالم والظلمات .

لقد نقل النبي صلى الله عليه وسلم وحده العالم أجمع من الضلال إلى الهدى، وأكد هذا المعنى قوله جل جلاله :

{لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 1-3 ].

فما كان أهل الكتاب ولا كان المشركون ينفكون عن ضلالهم، يفارقون غوايتهم وحيرتهم وعوجهم وشروهم، ما كانوا يستطيعون الانفكاك من مواريث الغفلة وتقاليد العمى؛ إلا بعد أن جاء هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد جعل الحليمي في شعب الإيمان تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم من شعب الإيمان وقرر أن التعظيم منزلة فوق المحبة، ثم قال : فحق علينا أن نحبه ونبجله ونعظمه أكثر وأوفر من إجلاله كل عبد سيده وكل ولد والده، بمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله تعالى، ثم ذكر الآيات والأحاديث، وما كان من فعل الصحابة رضوان الله عليهم معه، الدال على كمال تعظيمه وتبجيله في كل حال وبكل وجه .

الحكمة في إضافة الصلاة إلى الله تعالى وملائكته دون السلام :

يحتمل أن يقال له معنيان : التحية والانقياد، فأمر به المؤمنون ؛ لصحتها منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد، فلم يضف إليهم دفعاً للإيهام والله أعلم .

الحكمة في أن الله تعالى أمرنا أن نصلي ونحن نقول : اللهم صَلّ على محمد وعلى آل محمد، فنسأل الله تعالى أن يصلي عليه ولا نصلى نحن بأنفسنا،يعني بأن يقول العبد في الصلاة : أصلي على محمد، قلنا : لأنه صلى الله عليه وسلم طاهر لا عيب فيه، ونحن فينا العيوب والنقائض، فكيف يثنى من فيه عيوب على طاهر؟ فنسأل الله أن يصلي عليه.

ولا يكفي للعبد أن يقول في الصلاة صليت على محمد ؛ لأن مرتبة العبد تقصر عن ذلك بل يسأل ربه أن يصلي عليه؛ لتكون الصلاة على لسان غيره، حينئذ فالمصلي في الحقيقة هو الله، ونسبة الصلاة إلى العبد مجازية بمعنى السؤال.

الحكمة في تأكيد التسليم بالمصدر دون السلام:

إن الصلاة مؤكدة بأن، وكذا بإعلامه تعالى أنه يصلى عليه وملائكته وكذلك السلام، فحسن تأكيده بالمصدر إذ ليس ثَّمَ ما يقوم مقامه، وقد وقع تقديم الصلاة على السلام في اللفظ، وكان للتقديم مزية ومزيد اهتمام، فحسن أن يؤكد السلام ؛ لتأخر مرتبته في الذكر لئلا يتوهم قلة الاهتمام به لتأخره.

- كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم :

عندما نزلت الآية الكريمة، سأل الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة عليه فإنَّ كيفية السلام معلومة، فأخبرهم الرسول صلى الله عليه و سلم، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : " لقيني كعب بن عُجرة فقال : ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه و سلم ؟ فقلتُ : بلى فاهدها لي، فقال : سألنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقُلنا : يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟ فإنَّ الله علَّمنا كيف نسلِّم عليك، قال : قولوا : اللهم صلِّ على محمد و على آل محمد كما صلَّيتَ على ابراهيم و على آل ابراهيم إنَّك حميد مجيد، اللهم بارِك على محمد و على آل محمد كما باركتَ على ابراهيم و على آل ابراهيم إنَّك حميد مجيد " .

و لذلك ذهب كثير من العلماء أنَّ هذه الصيغة هي أفضل الصِّيَغ للصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم، كما كره البعض منهم إفراد الرسول صلى الله عليه و سلم بالصلاة دون التسليم .

أفضل الكيفيات في الصلاة عليه :

استدل بتعليمه صلى الله عليه وسلم لأصحابه كيفية الصلاة عليه بعد سؤالهم عنها أفضل الكيفيات في الصلاة عليه ؛ لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف والأفضل، ويترتب على ذلك لو حلف أن يصلي عليه أفضل الصلاة فطريق البر أن يأتي بذلك، هكذا صوبه النووي في الروضة.



إن ذاكر النبي صلى الله عليه وسلم يعد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات والغافل عن ذكره يعد من الغافلين .

المراد بالبركة في قوله : " وبارك على محمد " :

المراد بالبركة في قوله : " وبارك " : النمو والزيادة من الخير والكرامة، وقيل المراد التطهير من العيوب والتزكية، وقيل : المراد ثبات ذلك ودوامه واستمراره من قولهم : بركت الإبل : أي ثبتت على الأرض، وبه سميت بركةُ الماء ( بكسر أوله وسكون ثانيه ) ؛ لإقامة الماء فيها وبه جزم، وقد يوضع موضع التيمن فيقال : للميمون مبارك بمعنى أنه محبوب مرغوب فيه .

والحاصل أن المطلوب أن يعطوا من الخير أوفاه، وأن يثبت ذلك ويستمر، فإذا قلنا : اللهم بارك على محمد فالمعنى اللهم أدم ذكر محمد ودعوته وشريعته، وكَثّر اتباعه وأشياعه، وعَرّف أمته من يمنه وسعادته أن تشفعه فيهم، وتدخلهم جنانك، وتحلهم دار رضوانك، فيجتمع التبريك عليه الدوام والزيادة والسعادة .

وقال صلى الله عليه وسلم : " إنَّ أولى الناس بي أكثر هم عَلى صلاة ". (أخرجه الترمذي وابن حبان وقال الترمذي : حسن غريب، وقال ابن حبان : صحيح ).

- فضيلة الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم :

عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجداً، فأطال السجود، حتى ظننت أن الله قبض نفسه فيها، فدنوت منه، فرفع رأسه قال : من هذا ؟ قلت عبد الرحمن، قال ما شأنك ؟ قلت : يا رسول الله سجدت سجدة حتى ظننت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها، فقال : " إن جبريل أتاني فبشرني فقال : إن الله عز وجل يقول : من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً "، قال الحاكم : هذا حديث صحيح ولا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا الحديث وأخرجه أحمد والبيهقي كذلك .

وعن أبي بردة بن دينار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما صلى عليَّ عبد من أمتي صلاة صادقاً من قلبه إلا صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، محا عنه بها عشر سيئات "، رواه ابن أبي عاصم في الصلاة، والنسائي في اليوم والليلة والسنن والبيهقي في الدعوات والطبراني ورجاله ثقات، ورواه اسحاق بن راهويه والبزار بسند رجاله ثقات أيضا .

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل وفي رواية ثلث الليل قام فقال : " يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، قال أبي بن كعب فقلت يا رسول الله : إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي، قال : ما شئت قلت الربع . قال : ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت : فالنصف . قال : ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال : قلت فالثلث . قال : ما شئت، وإن زدت فهو خير لك . قلت أجعل لك صلاتي كلها. قال: إذا يكفي همك، ويغفر ذنبك "، رواه أحمد وابن حميد في مسنديهما والترمذي وقال : حسن صحيح .

وفي لفظ لأحمد وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم قال رجل يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك ؟ قال : " إذا يكفيك الله تبارك وتعالى ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك "، وإسناده جيد .

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيما رجل كسب مالاً من حلال فأطعم نفسه أو كساها، فمن دونه من خلق الله، فإنه له زكاة، وأيما رجل لم يكن عنده صدقة، فليقل في دعائه : اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وعلى المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات فإنه له زكاة "، أخرجه البخاري في الأدب المفرد بنحوه وأبو يعلى والبيهقي في أدبه .

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشرا "، رواه مسلم .

و روى النسائي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات و حطَّت عنه عشر خطيئات و رفعت له عشر درجات " .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من أحدٍ يُسَلَّمُ عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أرُدَّ عليه السلام " . ( رواه أبو داود بإسناد صحيح ) .



فضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم :

- أخرج الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أَولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاةً " .

- وأخرج الترمذي أيضاً عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال : قُلتُ : يا رسول الله، إني أُكثِرُ الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال : " ما شئت "، الربع ؟ قال : " ما شئت، فإن زدت فهو خير لك "، قلت : النصف ؟ قال : " ما شئت، فإن زدت فهو خيرٌ لك " قلت : أجعل لك صلاتي كلها ؟ قال : " إذاً تُكفى همّك ويُكَفَّر لك ذنبك " .

وفي هذه الأحاديث دلالة على شرف هذه العبادة من تضعيف صلاة الله على المصلي، وتضعيف الحسنات وتكفير السيئات، ورفع الدرجات، وأن عتق الرقاب مضاعفة، فأكثر من الصلاة على سيد السادات، ومعدن أهل السعادات، فإنها وسيلة لنيل المسرات، وذريعة لأنفس الصلات، ومنع المضرات، ولك بكل صلاة صليتها عليه عشر صلوات، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً .

و هو صلى الله عليه و سلم شفيق على أمَّته لدرجة أنّ الناس عندما تقول نفسي نفسي يوم القيامة يكون هو الوحيد صلى الله عليه و سلم الذي يقول : يا رب أمَّتي أمَّتي، ثم يشفع للناس أجمعين يوم لا يجرؤ أحد أن يتقدَّم للشفاعة و إنَّما هو حبيب رب العالمين و الرحمة للعالمين صلى الله عليه و سلم وحده الذي أعطاه الله سبحانه و تعالى حق الشفاعة فيشفع و يُشَفَّع و تكون شفاعته على قسمين : شفاعة عامّة و تشمل الناس أجمعين من مؤمنين و كافرين و ذلك لتعجيل الحساب بعد طول انتظار، وشفاعة خاصة تكون لأفرادٍ من أمَّته.

* فضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلته :

لقد ثبتت عنه صلى الله عليه و سلم فضائل كثيرة للصلاة عليه صلى الله عليه و سلم يوم الجمعة و ليلته بصورة خاصة، و رُويَ ذلك عن كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لذا ينبغي أن يضاعف كل واحد منّا ورده في يوم الجمعة و في ليلته خاصة عن بقية الأيام.

أخرج ابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " أكثِروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة و إنّ أحداً لن يصلي عليّ إلا عُرِضَت عليّ صلاته حتى يفرغ منها "، قال: قلت: و بعد الموت؟ قال: " إنّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ". قال الدميري: ورجال إسناده كلهم ثقات.

وقال صلى الله عليه وسلم: " من قال حين يسمعُ الأذان والإقامة: اللهم رَبّ هذه الدعوة النافعة، والصلاة القائمة آتِ مُحمَّداً الوسيلة والفضيلة، وابعثهُ مقاما محموداً الذي وعدته، حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة "، أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة وأحمد وابن حبان.

و أخرج أبو داود عن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلِقَ آدم وفيه قُبِضَ و فيه النفخة وفيه الصعقة فأكثِروا عليّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم تُعرَضُ عليّ فأدعو لكم وأستغفر"

ولقد قال الشافعي رضي الله عنه: " أحب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال وأمّا في يوم الجمعة و ليلتها أشدُّ استحباباً ".

واعلم أنه كما ورد أنّ من صلى عليه صلى الله عليه وسلم فإنّ الله يصلي عليه عشراً هكذا ذكر العلماء أنّ من أساء في حق شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم فإنّه تنزل على كل إساءة عشرة لعنات من العزيز القهّار على المُسيء نعوذ بالله من ذلك.

الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم وسيلة لنيل أرفع الدرجات:

أي عمل أرفع وأي وسيلة أشفع وأي عمل أنفع من الصلاة على من صلى الله عليه وجميع ملائكته، وخصه بالقربة العظيمة منه في دنياه وآخرته، فالصلاة عليه أعظم نور وهي التجارة التي لا تبور، وهي كانت هجيري الصالحين في المساء والبكور، فكن مثابراً على الصلاة على نبيك، فبذلك تطهر نفسك، ويزكو منك العمل، وتبلغ غاية الأمل، ويضيء نور قلبك - وتنال مرضاة ربك وتأمن من الأهوال يوم المخاوف والأوجال صلى الله عليه وسلم تسليما كما كرمه الله برسالته تكريما، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما.

عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام "، رواه أحمد والنسائي والدرامي وأبو نعيم والبيهقي وابن حبان والحاكم في صحيحهما وقالا: صحيح الإسناد.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله تعالى إليَّ روحي، حتى أرد عليه السلام "، رواه أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي بإسناد حسن بل صححه النووي في الأذكار.



التحذير من ترك الصلاة عليه عند ذكره صلى الله عليه و سلم :

عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احضروا المنبر "، فحضرنا، فلما ارتقى درجته قال : " آمين "، ثم ارتقى الثانية، فقال " آمين "، ثم ارتقى الثالثة، فقال : " آمين "، فلما نزل قلنا يا رسول الله قد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه، فقال: "إن جبريل عرض لي، فقال بغض من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بغض من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت " آمين "، فلما رقيت الثالثة قال: بغض من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت " آمين".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من نسي الصلاة عليَّ نُسِيَ - وفي رواية خطىء - طريق الجنة "، رواه البيهقي في الشعب والسنن الكبرى والتيمي في الترغيب وإسناده حسن وإنما أراد بالنسيان الترك.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيه صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم من الله ترة ( الترة: الباطل وهو الصَّغار والبعد عن الجادة يوم القيامة)، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم "، رواه أحمد والطيالسي والطبراني في الدعاء وأبو الشيخ وإسماعيل القاضي وأبو داود والترمذي واللفظ له.

وقال صلى الله عليه وسلم : " بحَسْب المَرءِ من البُخل أن أُذكرَ عنده ولا يُصلِّي عَليَّ "، أخرجه النسائي وابن حبان والترمذي وقال حسن صحيح.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رَغِمَ: أي لصق بالرغام وهو التراب، وهو كناية عن الذل والحقارة) أنف رجُل ذُكرتُ عنده، فلم يُصلِّ علي "، رواه الترمذي وقال حديث حسن.

استحباب ابتداء الدعاء بالصلاة و السلام عليه:

قال صلى الله عليه وسلم : " إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئاً، فليبدأ بحمده والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليسأل، فإنه أجدر أن ينجح ". ( أخرجه عبد الرازق والطبراني وابن أبي الدنيا بسند صحيح).

وعن فضاله بن عبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله، ولم يُصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره : " إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء ". ( أخرجه أبو داود والترمذي وصححه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: هو على شرط مسلم وفي موضع آخر على شرطهما وأخرجه النسائي بنحوه ).

وقال النووي : أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك يختم الدعاء بهما.

الصلاة على النبي التي تجب بالنذر :

ومما يستفاد هنا شيئان: أحدهما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تجب بالنذر؛ لأنها من أعظم القربات وأفضل العبادات وأجل الطاعات لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن يطيع الله فليطعه".

الثاني: لو خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عصره مصلياً لزمه الإجابة في الحال.

الصلاة عليه عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث :

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث ابتداء وانتهاء متأكد لمن وصف بوصف التبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفتح كلامه بحمد الله والثناء عليه وتمجيده والاعتراف له بالوحدانية وتعريف حقوقه على العباد، ثم بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمجيده والثناء عليه، وأن يختم ذلك أيضاً بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تسليماً .

قال ابن الصلاح ينبغي أن يحافظ على الصلاة والتسليم عند ذكره صلى الله عليه وسلم، وأن لا يسأم من تكرير ذلك عند تكريره، وكتبته، ومن أغفل ذلك حرم حظاً عظيماً، وما نكتبه من ذلك فهو دعاء نثبته لا كلام نرويه، فلا تتقيد بالرواية، ولا تقتصر فيه على ما في الأصل، وهكذا في الأمر في الثناء على الله عند ذكر اسمه عز وجل.

وقال النووي في الأذكار : يستحب لقارىء الحديث وغيره ممن في معناه إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع صوته بالصلاة عليه والتسليم ولا يبالغ في الرفع مبالغة فاحشة .

الصلاة عليه عند كتابة الفتيا :

قال النووي رحمه الله في الروضة من زوائده : يستحب عند إرادة الإفتاء أن يستعيذ من الشيطان، ويسمي الله تعالى ويحمده، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول : لا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول :

{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [ طه: 25-28].

ثم قال: إذا كان السائل قد أغفل الدعاء أو الحمد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الفتوى ألحق المفتي ذلك بخطه، فإن العادة جارية به.

الصلاة عليه عند القيام بصلاة الليل :

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : يضحك الله إلى رجلين : رجل لقي العدو وهو على فرس من أمثل خيل أصحابه، فانهزموا، وثبت، فإن قتل استشهد وإن بقي فذاك الذي يضحك الله إليه، ورجل قام في جوف الليل لا يعلم به أحد، فتوضأ وأسبغ الوضوء ثم حمد الله ومجده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم واستفتح القرآن فذاك الذي يضحك الله إليه يقول : انظروا إلى عبدي قائماً لا يراه أحد غيري .( أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة وعبد الرزاق بسند صحيح ) .



رؤية رسول الله صلى الله عليه و سلم



ما يراه الإنسان في أثناء نومه إن كان شيئاً يسرَّه فتلك رؤيا صالحة وهي من الله تعالى.

قال صلى الله عليه وسلم : " لم يبق من النبوة إلا المبشرات " رواه البخاري . وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : " إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله تعالى فليحمد الله عليها وليحدِّث بها" رواه الشيخان وفي رواية : "فلا يحدث بها إلا من يحب" وإن كانت هذه الرؤيا لا تسره فذلك حلم من الشيطان فلينفث عن يسراه ثلاث مرات وليتعوَّذ من شرها فإنها لا تضره ولا يلقي لها بالاً ولا يخبر بها أحداً فهي وسوسة من الشيطان .

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : {لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [يونس: 64] قال: ما سألني عنها أحد قبلك هي الرؤيا الحسنة يراها المرء أو تُرى له " رواه الترمذي وأحمد وحسَّنه الترمذي ورواه الطبراني بإسناد قوي. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي " رواه الشيخان. وروى الشيخان عن أبي هريرة أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من رآني فسيراني في اليقظة " .

هكذا يتبين لنا أن من يرى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في منامه فهذه رؤيا صالحة وبشارة من الله تعالى إما بحُسن الخاتمة والوفاة على الإيمان أو أن الرؤيا قد تكون موعظة لصاحبها وتذكِرة له . وقال العلامة المناوي رحمه الله تعالى : يراه رؤية خاصة في الآخرة بصفة القرب والشفاعة.



ينبغي أوَّلاً ملاحظة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوصافه الشريفة و أخلاقه المنيفة ليسهل تطبيقه بعد الرؤية في المنام عليها. و حقيقة الرؤيا اعتقادات يخلقها الله في قلب النائم كما يخلقها في قلب اليقظان يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم و لا يقظة . و قوله من رآني في المنام فقد رآني، أي من رآني في حال النوم فقد رآني حقّاً أو فكأنما رآني في اليقظة فهو على التشبيه و التمثيل و ليس المراد رؤية جسمه الشريف و شخصه المنيف بل مثاله على التحقيق.

وقوله فإنّ الشيطان لا يتمثَّل بي أي لا يستطيع ذلك لأنه سبحانه و تعالى جعله محفوظاً من الشيطان في الخارج فكذلك في المنام سواء رآه على صفته المعروفة أو غيرها قال العلامة القرطبي رحمه الله تعالى رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال ليست باطلة ولا أضغاثاً، بل هي حق في نفسها، ولو رُؤي على غير صورته صلى الله عليه وسلم، فَتصَوُّر تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هي من قِبَل الله تعالى . ولقد اتفق العلماء أنه من رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام على الهيئة التي وُصِفَت لنا في كتب الشمائل بسند صحيح فقد رآه قطعاً وأما من رآه على غير الصورة المذكورة في السُنَّة الصحيحة كأن رآه حليقاً أسود اللون هنا وقع الخلاف بين العلماء .

فريق منهم قال إنه يكون قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة وإن كان المرئي ليس هو النبي صلى الله عليه وسلم بعينه (أي ذاته) ولكن تُؤوَّل هذه الرؤية بحسب اختلاف حال الرائي لأنه صلى الله عليه و سلم كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها ما يقابلها وفي ذلك يقول النووي رحمه الله تعالى : والصحيح أنه يراه - صلى الله عليه وسلم الرائي في المنام - حقيقة، سواء كانت على صورته المعروفة أو غيرها .

و يُذكر أنّ رؤية الرسول صلى الله عليه و سلم في صورة حسنة تدل على حُسن دين الرائي بخلاف رؤيته في صورة شين أو نقص في بعض البدن فإنها تدل على خلل في دين الرائي فبها يعرف حال الرائي فلذلك لا يختص برؤيته صلى الله عليه و سلم الصالحون بل تكون لهم ولغيرهم .

وقال فريق آخر من المحدثين والعلماء إنه من رآه عليه الصلاة والسلام على غير الصورة أو الأوصاف التي نُقِلَت إلينا فلا يُعتبر أنه رآه، واستدلوا على ذلك بأن بعض التابعين كان إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أخبر الصحابة فيقولون له صفه لنا فإذا كان رآه على وصفه بشَّروه بأنه رآه وإلا فلا .

سؤال : ما حكم من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأمره بطاعة ما وماذا لو أمره بمعصية ؟

الجواب : إذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بما يوافق الشرع كأن أمره بصوم يوم كذا مثلاً ونحو ذلك مما يوافق الشرع، يندب للرائي العمل به هو نفسه بشكل خاص ولا يأمر به الناس ولا يندب لغيره أن يأخذ به.

فلقد سُئلَ شيخ الإسلام زكريا الأنصاري أن رجلاً رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام يأمره أن يأمر المسلمين أن يصوموا يوم كذا، فقال : لا يجب علينا صومه ولا نأمر به المسلمين بل يندب صومه للرائي فقط .

أما لو أُمِرَ بمعصية ففي ذلك شبهة أوضحها الإمام النووي فقال : أما الرؤية فجاء بها النص فلا يمكن للشيطان أن يتمثل به صلى الله عليه وسلم .

أما ما وراء الرؤية كالكلام وغيره فلم يأتِ فيه نص يمنع أن يكون الشيطان ألقى في سمع النائم وتلاعب به . وذلك يكون بأن يرى النائم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فيأتي الشيطان فيأمر النائم بأمور ويسمعها النائم فيظن أنها من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ممكن، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح : " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه " . ومن المعلوم أن الشيطان يحاول أن يلقي في روع الأنبياء فيبطل الله سبحانه وتعالى ما يلقيه فكيف لا يمكن له أن يلقي في روع أحدنا وهو نائم ؟ !!! ومن المعلوم أن الشيطان قد يتلاعب بالإنسان في نومه وقد يستعين بعض الفجار بالجن حتى يتلاعب بإنسان و الاحتلام هو باب من تلاعب الشيطان بالإنسان .

ثم قال النووي : وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم في المنام من قبيل الرواية والإخبار، والرواية والإخبار لا يُقبل فيه إلا الضابط، والنائم لا يعتبر ضابطاً، وذلك لأنه قد ينسى ويلقى الشيطان في روعه أشياء أخرى، ومن المعلوم أن أطول منام لا يتجاوز اللحظات القليلة وإنه أحسَّ به الإنسان أن طويل جداً "، بسط هذا الكلام الإمام النووي في تهذيب الأسماء والصفات.



بعض المعلومات المهمة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم

نسبه الشريف

تاريخ و مكان ولادته

أسماؤه

أمّهاته

نبوّته

أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن

أولاده الكرام

بعثته وهجرته

وفاته

1-نسبه الشريف :

هو رسول الله صلى الله عليه و سلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، و ينتهي نسبه الشريف إلى سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام .

2-تاريخ و مكان ولادته : ولد عام الفيل صبيحة يوم الاثنين سنة 571 ميلادية في مكة المكرمة و بقي فيها قرابة الثلاث وخمسين سنة ومن ثم هاجر إلى المدينة وتوفي فيها عن ثلاث وستين سنة .

3- أسماؤه :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا محمد، وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو اللهُ به الكفر، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقِب الذي ليس بعده نبي "، وقد سماه الله رؤوفاً رحيماً متفق عليه.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسمي لنا نفسه أسماء فقال :" أنا محمد، وأنا أحمد،وأنا المقفِّي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة )، ( المقفِّي: آخر الآنبياء)"، رواه مسلم .

قال القاضي عياض : قد حمى الله هذين الاسمين ( يعني محمد وأحمد ) أن يتسمى بهما أحد قبل زمانه، أحمد الذي ذكر في الكتب وبشر به عيسى عليه السلام، فمنع الله بحكمته أن يتسمى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل اللبس ولا الشك فيه على ضعيف القلب، وأما محمد فلم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلا حين شاع قبيل مولده أن نبياً يبعث اسمه محمد، فسمى قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته .

ومن تكريم الله تعالى له ولاسمه الشريف أنه صرف كفار قريش عن شَتم اسمه، فكانوا يدعونه مذمَّماَ وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام : " ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش، ولعنهم ؟ يشتمون مذَمَّماً، ويلعنون مُذَمَّماَ وأنا محمد ".

4- أمّهاته:

- آمنة بنت وهب: " أمه ولادة "، كانت خير امرأة في قريش نسباً وموضعاً من أسرة تعتبر من أشرف القبائل العربية وأشرفها سلالة .

- حليمة السعدية : " أمه رضاعة "، كانت فاضلة طيبة وحاضنة مرضعة، كسبت شرف أمومة رسول الله صلى الله عليه وسلم برضاعته .

- بَرَكة ثعلبة (أم أيمن) : "أمه حضانة"، كانت من موالي عبد الله بن عبد المطلب، احتضنت النبي صلى الله عليه وسلم عندها حتى شب وقد أحسنت حضانته وأخلصت إليه . وقد أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زواجه من السيدة خديجة وتزوجت وولدت أيمن رضي الله عنه الذي كان له شأن كبير في الإسلام، فقد هاجر و جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشهد يوم حنين . وأم أيمن كانت قد أعلنت إسلامها من بداية الدعوة وكانت من أوائل النسوة اللاتي هاجرن إلى الحبشة وإلى المدينة وبايعن الرسول صلى الله عليه وسلم .

ولقد كانت خلال هجرتها إلى المدينة المنورة، صائمة مهاجرة ماشية، ولم يكن معها شيء من الزاد أو الشراب ولما حانت ساعة الإفطار منحها الله تعالى كرامة عظيمة إذ دُّلي عليها من السماء دلو فيه ماء، فأخذته وشربت منه حتى رويت فما عطشت بعدها أبداً . أسلمت روحها الطاهرة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ودُفنت في البقيع .

فاطمة بنت أسد الهاشمية : " أمه تكريماً "، وهي زوجة عم الرسول صلى الله عليه وسلم أبي طالب، وأم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . وطالب وعقيل وجعفر وأم هانىء وجمانه وريطة بن أبي طالب أولاد عم الرسول عليه الصلاة والسلام . أولت النبي صلى الله عليه وسلم رعاية خاصة وبذلت أقصى جهدها حتى لا تجعله يشعر بالغربة أو اليتم، حتى أنها كانت تفضله في بعض الأوقات على أبنائها وبهذا أصبحت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها من أقرب المقربات للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ولقد حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من الأحاديث

5- نبوّته : في الأربعين من عمره الشريف، نزل عليه أمين الوحي جبريل عليه السلام و هو في غار حراء حيث بلّغه رسالة ربه عز و جل و كان ذلك في رمضان سنة 13 قبل الهجرة الموافق تموز سنة 610 م .

6- أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن

- ست توفاهنَّ الله قبله وهنَّ:

1- خديجة بنت خويلد رضي الله عنها: وهي أول نسائه تزوجها قبل النبوة وعمره خمس وعشرون سنة وهي أم أولاده ما عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية.

لم يتزوج عليها حتى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين وهي أول من آمن من النساء بالله وبرسوله وراحت تدعو إلى الإسلام بجانب زوجها عليه الصلاة والسلام بالقول والعمل ضاربة أروع النماذج وأصدقها في الدعوة إلى الجهاد في سبيله، فكانت بحق الزوجة الحكيمة التي تقدر الأمور حق قدرها وتبذل من العطاء ما فيه إرضاء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك استحقت أن يبلغها جبريل من ربها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ( رواه البخاري) .كانت وفاتها رضي الله عنها، قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح و دفنها النبي صلى الله عليه وسلم بالحجون في مكة.

2- زينب بنت خزيمة الهلالية: لم تلبث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً - شهرين أو ثلاثة - حتى توفيت في حياته.

3- سبا بنت الصَّلت أو سناء بنت الصَّلت: ماتت قبل أن يدخل بها.

4- أساف أو شِراف أخت دحية الكلبي: ماتت قبل أن تصل إليه.

5- خولة بنت الهُذيل: ماتت قبل أن يدخل بها وقد وهبت نفسها له.

6- خولة بنت حكيم السلمية: ماتت قبل أن يدخل بها، وقد وهبت نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام وكانت تخدمه وكانت صالحة فاضلة.

* نساؤه اللاتي مات عنهن:

1- عائشة بنت الصِدَّيق : تزوجها بعد موت خديجة بسنتين أو ثلاث بمكة وهي بنت ست أو سبع سنين كما ورد في الصحيح. زفَّت إليه وهي بنت تسع سنين ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة و كان وفاتها سنة 57 من الهجرة. ولم يتزوج بكراً غيرها وكانت أَحَبُّ نسائه إليه. ولعائشة بنت الصدّيق الأكبر، حبيبة حبيب رب العالمين من الفضائل مالا يخفى على أحد.

2- سودة بنت زُمعة: تزوجها بعد عائشة وهي أرملة، توفيت في آخر زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

3- حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: تزوجها بالمدينة بعد سودة وكانت من المهاجرات ولدت قبل البعثة بخمسة سنين وماتت يوم بايع الحسن معاوية وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد طلقها فقال له جبريل عليه السلام: "راجع حفصة فإنها صوَّامة قوَّامة وإنها زوجتك في الجنة "، فراجعها.

4- أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة: هاجرت مع زوجها الأول إلى أرض الحبشة ولكن زوجها افتتن وتنصَّر ومات نصرانياً ولكن الله ثبَّتها على الإسلام. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع من الهجرة، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بحضانة ابنه إبراهيم لها . توفيت سنة أربعة وأربعين في خلافة أخيها معاوية بن أبي سفيان.

5- أم سَلَمَة: هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزوميَّة: تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية من الهجرة بعد موقعة بدر. كانت رشيدة الرَّأي فهي التي أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أن يخرج إلى هَديِهِ لينحره ثم يدعو الحلاّق ليحلُق رأسه فما كان من المسلمين لمَّا رأوه إلاّ أن فعلوا مثلما فعل، بعد أن كان أمَرهم بحلق رؤوسهم ونحر هديِهِم والتَّحلُّلِ من إحرامهم، غير أنهم لم يمتثلوا لأمره في بادىء الأمر لأنهم شعروا بضيق شديد من المعاهدة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش والتي عُرفت (بصلح الحُدَيبية) فهم كانوا يُمَنّون أنفسهم بدخول مكة للعمرة بينما نصَّت المعاهدة فيما نصّت ألا يعتمروا في ذاك العام وأن يرجعوا في العام المقبل ليدخلوا مكة بعد أن تخرج قريش منها ويمكثوا فيها ثلاثة أيام فقط ليس معهم من السلاح إلا السيوف في قرابتها.

توفيت أم سلمة في أول خلافة يزيد بن معاوية.

6- ميمونة بنت الحارث: بدأ به صلى الله عليه وسلم المرض في بيتها، وقد قيل إنها من اللائي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم و كانت آخر نسائه موتاً.

7- صفية بنت حُيَيّ بن أخطب: من سبي بني النَّضير، اصطفاها عليه الصلاة والسلام وأعتقها ثم تزوجها وكانت عاقلة حليمة فاضلة توفيت في رمضان سنة خمسين هجرية في زمن معاوية رضي الله عنه.

8- جويرية بنت الحارث من بني المصطلق: كان اسمها برَّة فسمّاها النبي صلى الله عليه وسلم جويرية، كانت أبرك امرأة على قومها لأنها عندما تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم تسامع الناس بذلك فأطلق المسلمون ما في أيديهم من السَّبي وأعتقوهم قائلين : هم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعتق بسببها مائة من بني المصطلق مما دفع العديد منهم للدخول في الإسلام .

9- زينب بنت جحش : كانت ممن أسلم قديماً وهاجرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، خطبها النبي لزيد بن حارثة فلم ترض به فنزلت الآية من سورة الأحزاب :{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، فرضيت عندها وتزوجت منه. ولكن زيد طلقها ثم تزوجها النبي وكان ذلك لحكمة وهي إزالة آثار التبني، توفيت سنة عشرين في خلافة عمر بن الخطاب .

أولاده الكرام :

وكلهم من خديجة رضي الله تعالى عنها إلا إبراهيم من مارية القبطية .

أما بناته عليه الصلاة والسلام فأربع :

زينب ورُقِيَّة وأم كلثوم وفاطمة رضي الله تعالى عنهن .

وأما أبناؤه عليه الصلاة والسلام فثلاثة : القاسم وعبد الله وإبراهيم، رضي الله تعالى عنهم

1- القاسم: هو أول ولد له عليه الصلاة والسلام قبل النبوة في مكة المكرمة وبه يُكَنَّى وعاش حتى مشى.

2- زينب: هي أكبر بناته وُلِدت سنة ثلاثين من مولده عليه الصلاة والسلام وأدركت الإسلام .

3- رقـيـة: ولدت سنة ثلاث وثلاثين من مولده عليه الصلاة والسلام وتزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه وتوفيت والنبي صلى الله عليه وسلم ببدر فزوجه أم كلثوم وسمي بذي النورين.

4- فاطمة الزهراء: وُلِدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم وسُمِّيت فاطمة لأن الله تعالى قد فطمها وذريتها عن النار. وتزوجت بعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، في السنة الثانية للهجرة ولها من العمر خمس عشرة سنة وخمسة أشهر. وهي أفضل بناته وأحبهنَّ إليه وكان يقول كما في صحيح البخاري: " فاطمة بِضعة مني فمن أغضبها أغضبني"، وقال لها كما في صحيح مسلم: "أو ما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين". توفيت بعده عليه الصلاة والسلام بستة أشهر أي وهي في الثالثة والعشرين من عمرها ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم عَقِبٌ (أي أحفاد) إلا من ابنته فاطمة.

5- عبد الله: قيل إنه مات صغيراً بمكة واختُلِفَ هل مات قبل النبوة أو بعدها.

6- إبراهيم: من ماريا القبطية، وُلِدَ في ذي الحِجة سنة ثمانٍ من الهجرة وتُوُفيَ صغيراً.

7- أم كلثوم: هي أصغر من فاطمة وليس لها اسم غير هذه الكنية، فاسمها كُنيَتُها. وُلِدَت بعد البعثة وتزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة ثلاث من الهجرة بعد موت أختها رُقِية و لِذا لُقبَ بذي النورَين، وتُوفِيَت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة و السلام لعثمان: "لو كان عندنا ثالثة لَزَوجناكها"

* بعثته وهجرته:

بعث إليه في الأربعين من عمره في مكة وبقي فيها ثلاث عشرة سنة بعد البعثة ثم هاجر إلى المدينة المنورة فمكث فيها عشر سنوات تقريباً .

5- وفاته: في الثالث والستين من عمره توفاه الله تعالى وانتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن أدّى الأمانة وبلَّغ الرسالة ونصح الأمة وكان ذلك يوم الاثنين سنة 11 هجرية وكان وفاته وقبره الشريف في المدينة المنورة

عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُخيَّر بين الدنيا والآخرة، قالت عائشة: فلما نُزِل به ورأسه على فخذي، غشي عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف، ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى. قلتُ إذاً لا يختارنا.

قالت: عرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح.



والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد

وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.